07‏/06‏/2009

في ذكرى مثال الوفاء ونموذج التضحية: أم البنين الكلابية (ع)

هي فاطمة بنت حزام الكلابية، وتلقب بأم البنين.
زوجة علي بن أبي طالب (ع) بعد فاطمة الزهراء (ع)، تعرف بأم البنين لأن لها اربع أبناء كلهم قتلوا في كربلاء مع الحسين بن علي (ع).
- الاسم: فاطمة.
- الأب: حزام بن خالد بن ربيعة الكلابي.
- الأم: ثمامة بنت سهل الكلابي.
- القبيلة: بنو كلاب من العرب الأقحاح من بني عامر بن صعصعة، شهيرة بالشجاعة والفروسية.
- الكنية: أم البنين وأم العباس.
- الولادة: على الأرجح في السنة الخامسة للهجرة الشريفة.
- الزوج: الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقط.
- الزواج: ليس هناك تاريخ محدد - للأسف - حسب التتبع الناقص، ولكن الأرجح أنه كان بعد سنة 24 للهجرة الشريفة، وذلك لأن الأمير (ع) تزوجها بعد إمامة بنت زينب.
- الأولاد: العباس أبو الفضل، وعبد الله، وجعفر، وعثمان.. قتلوا جميعاً تحت راية الإمام الحسين (ع) في كربلاء، حيث كانوا آخر من قتل، وآخرهم أفضلهم وهو أكبرهم أيضاً وهو العباس أبو الفضل (ع) حامل لواء أخيه الحسين (ع)، وساقي عطاشى كربلاء، وهو أشهر من نور على جبل.

آباء وأمهات أم البنين:
تؤكد المصادر التي ترجمت لها أنها تنتسب إلى قبيلة (كلاب)، وهي من الأصول العربية لها مكانة وقوة في تاريخ الأمة.
وهي فاطمة بنت حزام وهو أبو المحل بن خالد ابن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب، وأمها ثمامة بنت سهل بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب، وأمها عمرة بنت الطفيل فارس فرزل بن مالك الاحزم رئيس هوازن بن جعفر بن كلاب، وأمها أم الخشف بنت أبي معاوية فارس الهوازن بن عبادة بن عقيل بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وأمها فاطمة بنت جعفر بن كلاب، وأمها عاتكة بنت عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، وأمها آمنة بنت وهب بن نمير بن نصر بن قصي بن كلاب، وأمها آمنة بنت أسد بن خزيمة، وأمها بنت جحدر بن ضبيعة الأعز بن قيس بن ثعلبة بن عكاسة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن ربيعة بن زار، وأمها بنت مالك بن قيس بن ثعلب وأمها بنت ذي الرأسين وهو خشيش بن أبي عصم بن سمح بن فزارة وأمها بنت عمرة بن صرمة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن نفيض بن الريت بن غطفان.
حفظ لنا التاريخ شيئاً عن حياة واحدة من كبريات النساء، بلغت من رفعة المركز، تلك أهي (أم البنين) العابدة الزاهدة المحبة للخير الصانعة للمعروف الناهية عن المنكر، فهي مع حداثة سنها قد نالت بفضل جدها واجتهادها وذكائها المعيتها مكانة لائقة في المجتمع وحب أهل الفضل بها، ولا يعرف الفضل إلا ذووه.

مولد أم البنين و نشأتها:
كان حزام بن خالد بن ربيعة في سفر له مع جماعة من بني كلاب، نائم في ليلة من الليالي فرأى فيما يرى النائم كأنه جالس في أرض خصبة وقد انعزل في ناحية عن جماعته وبيده درة يقلبها وهو متعجب من حسنها ورونقها وإذا يرى رجلاً قد أقبل إليه من صدر البرية على فرس له فلما وصل إليه سلم فرد (ع) ثم قال له الرجل بكم تبيع هذه الدرة، وقد رآها في يده فقال له حزام اني لم أعرف قيمتها حتى أقول لك ولكن أنت بكم تشتريها فقال له الرجل وأنا كذلك لا أعرف لها قيمة ولكن إهدها إلى أحد الأمراء وأنا الضامن لك بشيء هو أغلى من الدراهم والدنانير، قال ما هو قال اضمن لك بالحظوة عنده والزلفى والشرف والسؤدد أبد الآبدين، قال حزام أتضمن لي بذلك قال نعم قال: وتكون أنت الواسطة في ذلك قال وأكون أنا الواسطة أعطني إياها فأعطاه إياها.
فلما انتبه حزام من نومه قص رؤياه على جماعته وطلب تأويلها فقال له أحدهم ان صدقت رؤياك فانك ترزق بنتا ويخطبها منك أحد العظماء وتنال عنده بسببها القربى والشرف والسؤدد.
فلما رجع من سفره، وكانت زوجته ثمامة بنت سهيل حاملة بفاطمة أم البنين وصادف عند قدوم زوجها من سفره كانت واضعة بها فبشروه بذلك فتهلل وجهه فرحاً وسر بذلك، وقال في نفسه قد صدقت الرؤيا، فقيل له ما نسميها فقال لهم سموها: (فاطمة) وكنوها: (أم البنين) وهذه كانت عادة العرب يكنون المولود ويلقبونه في الوقت الذي يسمونه فيه وهو يوم الولادة.
وقد أقر الإسلام هذه العادة وأمر رسول الله (ص) بها، كما لقب وكنى الحسن والحسين (ع) فكنية الحسن (أبو محمد) ولقبه (المجتبى) وكنية الحسين (أبو عبد الله) ولقبه (السبط) وجعلها (ص) سنة في أمته وذلك لئلا يكنى المولود بكنية غير طيبة ويلقب بقلب غير حسن، بحيث لو خوطب المكنى أو المقلب به تشمئز نفسه ويغضب بذلك ومن هنا أشار الله عز وجل في محكم كتابه المجيد بقوله: (ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق)(1).
وكنيت فاطمة بنت حزام بأم البنين على كنية جدتها من قبل آباء الأم وهي: ليلى بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
ونشأت أم البنين في حضانة والدين شفيقين حنونين هما حزام بن خالد بن ربيعة، وثمامة بنت سهيل بن عامر، وكانت ثمامة أديبة كاملة عاقلة، فأدبت ابنتها بآداب العرب وعلمتها بما ينبغي أن تعلمها من آداب المنزل وتأدية الحقوق الزوجية وغير ذلك مما تحتاجه في حياتها العامة. وقد قال شاعر النيل حافظ إبراهيم:
الأم مـــــدرســـــة إذا أعـــــــددتــــهـــا أعــــــددت شـــــعباً طيـب الأعراق(2)
كما وكانت أم البنين لها قابلية للتعليم، فقد وهبها الله (عز وجل) نفساً حرة عفيفة طاهرة وقلباً سليماً زكياً طيباً ورزقها فطنة وذكاء، وعقلاً رشيداً أهلها لمستقبل سعيد.
فلما كبرت وبلغت مبالغ النساء كانت مضرب المثل، لا في الحسن والجمال والعفاف فحسب، بل وفي العلم والآداب والأخلاق، بحيث اختارها عقيل بن أبي طالب لأخيه أمير المؤمنين (ع)، وما ذلك إلا أنها كانت موصوفة بهذه الصفات بين نساء قومها بالآداب الحسنة والأخلاق الكاملة، علاوة على ما هي فيه من النسب الشريف والحسب المنيف مما جعل عقيل بن أبي طالب يرى فيها الكفاءة بأن تكون قرينة أخيه أمير المؤمنين (ع) وشريكة حياته.

خبر الاختيار ورواته:
وقد روي أن أمير المؤمنين (ع) قال لأخيه عقيل (رض) وكان نسابة عالماً بأنساب العرب وأخبارهم: أنظر لي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوجها فتلد لي غلاماً فارساً!
فقال له: تزوج أم البنين الكلابية فإنه ليس في العرب أشجع من آبائها فتزوجها(3).
وقيل أتى زهير إلى عبدالله بن جعفر بن عقيل قبل أن يقتل، فقال له: يا أخي ناولني هذه الراية!
فقال له عبد الله: أو فيَّ قصور عن حملها؟
قال: لا.. ولكن لي بها حاجة.
قال فدفعها إليه، وأخذها زهير وأتى تجاه العباس بن أمير المؤمنين وقال: يا ابن أمير المؤمنين! أريد أن أحدثك بحديث وعيته فقال حدث فقد حلا وقت الحديث!
حــــدّث ولا حـــرجَ عــــــليك *** فإنما تـروي لنـا متواتر الإسـناد
فقال له: أعلم يا أبا الفضل.. أن أباك أمير المؤمنين (ع) لما أراد أن يتزوج بأمك أم البنين، بعث لأخيه عقيل وكان عارفاً بأنساب العرب، فقال (ع): يا أخي أريد منك أن تخطب لي امرأة من ذوي البيوت والحسب والنسب والشجاعة، لكي أصيب منها ولداً يكون شجاعاً وعضداً ينصر ولدي هذا - وأشار إلى الحسين (ع) - ليواسيه في طف كربلا!
وقد أدّخرك أبوك لمثل هذا اليوم، فلا تقصر عن حلائل أخيك وعن أخواتك!
قال: فارتعدّ العباس وتمطّى في ركابه حتى قطعه، وقال: يا زهير تشجعني في مثل هذا اليوم! والله لأرينك شيئاً ما رأيته قط(4)...إلخ.
ولما رجع العباس (ع) من مكالمته مع شمر (لعنه الله) حين عرض عليه الكتاب الذي فيه أمان له ولأخوته، استقبلته الحوراء زينب (ع) وقد سمعت كلامه مع الشمر، قالت له: أخي أريد أن أحدثك بحديث قال حدثي يا زينب لقد حلا وقت الحديث.
قالت: أعلم يا ابن والدي، لما ماتت أمنا فاطمة، قال أبي لأخيه عقيل: أريد منك أن تختار لي امرأة من ذوي البيوت والشجاعة حتى أصيب منها ولداً ينصر ولدي الحسين بطف كربلاء وقد أدخرك أبوك لمثل هذا اليوم فلا تقصر يا أبا الفضل!
فلما سمع العباس كلامها، تمطى في ركابي سرجه حتى قطعهما، وقال لها: في مثل هذا اليوم تشجعيني وأنا ابن أمير المؤمنين!
فلما سمعت كلامه سرت سروراً عظيماً(5).
عرفنا أن خبر الاختيار رواه فيمن رواه العقيلة زينب وزهير بن القين.
وهنا لو سَئل سائل: لم عول أمير المؤمنين (ع) على أخيه عقيل في الاختيار ولم يختر هو لنفسه فهل كان عقيل أعرف منه بأصول العرب مع أنكم تعتقدون أن الإمام أعلم من غيره في كل العلوم وأعرف ممن سواه بكل شيء.
الجواب: نعم هو كذلك عندنا ولكن كانت العادة التي اقتضتها همم الأكابر من الملوك والعظماء أنه إذا أراد التزويج لنفسه أو لواحد من ولده أناب عنه من يقوم به من خاصته من يعتمد عليه من أهل المعرفة والحزم ليختار له ترفعاً منهم عن ذلك، لأن المرأة مهما بلغت من الجلالة وعظم القدر هي بالنسبة إلى ذلك العظيم لا ترقى إليه، ويرى أن مباشرته للخطبة بنفسه انحطاطاً لقدره، وهذا نبينا محمد (ص) لما أراد التزويج بخديجة (ع) مع رغبته التامة فيها، وعلو قدر خديجة وعظم شأنها في قريش، لم يباشر (ص) خطبتها بنفسه، وإنما باشر ذلك أعمامه أبو طالب والزبير وحمزة، والقضايا التاريخية إذا سرت عليها أرتك ما نقوله جلياً(6).
وثانياً: إن رجوع العالم إلى من هو أدنى منه في العلم في سؤال أو مشاورة لا ينفي الأول من العلم وحصانة الرأي، والشواهد في ذلك كثيرة ذكر القرآن (عز شأنه) لحبيبه محمد (ص): (وشاورهم في الأمر)(7).
ومن تتبع التاريخ يرى أن رسول الله (ص) الذي: (لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)(8) شاور أصحابه في مواقف عديدة وأخذ بمشورتهم، وأشاروا عليه وقبل رأيهم، أترى أنه دخل على رسول الله (ص) في هذه المشاورة نقص في العلم والرأي، الجواب: كلا.
وقد ذكر الله (عز وجل) في كتابه المجيد حول هذا الموضوع أكثر من خمس آيات: وقد قيل: (وكم سائل عن أمره وهو عالم) وغير خفي ما أخبر به الذكر الحكيم من طلب سليمان (ع) أصحابه إحضار قصر بلقيس حتى أحضره وصيه آصف بن برخيا ترى أنه (ع) لا يستطيع إحضاره هو.
كما ولا يخفى اقتراح موسى (ع) على ربه المساعدة من أخيه هارون على تأدية الرسالة إلى فرعون، وغيرها وغيرها من الشواهد الدالة على ذلك.
ونظرة ثانية كأنما أراد أمير المؤمنين (ع) في اعتماده على أخيه عقيل ليختار له امرأة لا لاظهار شخصية أخيه في هذا العلم فحسب، بل وحتى تكون شهادته عالية الشأن دامغة الحجة فإذا وصم الأعداء في أنسابهم بوصمة تغنت بها الركبان وتحدثت بها أهل المحافل وإذا مدح أحد في نسبه كانت كلمته مضرب المثل وحجة عند أهل الأنساب، فعلى هذا وذاك قال (ع) لأخيه عقيل يا أخي أريد منك أن تختار لي.

كيفية الخطوبة و الزواج:
مضى عقيل بن أبي طالب في مهمته بأمر أخيه أمير المؤمنين (ع) حتى ورد بيت حزام بن خالد بن ربيعة ضيفاً على فراش كرامته وكان خارج المدينة، فرحب به ونحر له النحائر وأكرم مثواه غاية الأكرام، وكانت عادة العرب لا يسألون الضيف عن حاجته إلا بعد ثلاثة أيام الضيافة.
فلما انقضت وجاء اليوم الرابع جاء حزام إلى عقيل بن أبي طالب وجلس إلى جانبه وخاطبه بكل تأدب وتبجيل قائلاً: هل من حاجة فتقضى؟ أو ملمة فتمضى من مال أو رجال؟ فنحن رهن أشارتكم!
فقال له عقيل: جئتك بالشرف الشامخ والمجد الباذخ!
فقال حزام: وما هو يا بن عم رسول الله (ص)؟
قال: جئتك خاطباً!
قال: من لمن.
قال عقيل: أخطب ابنتك الحرة فاطمة أم البنين إلى يعسوب الدين والحق اليقين وقائد الغر المحجلين وسيد الوصيين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
فلما سمع حزام هشّ وبشّ ثم قال: بخٍّ بخٍّ بهذا النسب الشريف والحسب المنيف، لنا الشرف الرفيع والمجد المنيع بمصاهرة ابن عم رسول الله (ص) وبطل الإسلام وقاسم الجنة والنار، ولكن يا عقيل أنت جد عليم ببيت سيدي ومولاي، أنه مهبط الوحي ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة، وأن مثل أمير المؤمنين ينبغي أن تكون له امرأة ذات معرفة عن علم وآداب في ثقافة وعقل مع أخلاق حسنة حتى تكون صالحة لشأنه العالي ومقامه السامي، وأن ابنتنا من أهل القرى والبادية وأهل البادية غير أهل المدينة ولعلها غير صالحة لأمير المؤمنين (ع).
فقال عقيل: يا حزام أن أخي يعلم بكل ما قلته، وأنه يرغب في التزويج بها.
فقال حزام: إذاً تمهّل حتى أسأل عنها أمها هل تصلح لأمير المؤمنين أم لا، فإن النساء أعلم ببناتهن من الرجال في الأخلاق والآداب.
ثم قام حزام من مجلسه وجاء ليسأل، فلما قرب من المنزل وإذا هو يرى فاطمة جالسة بين يدي أمها وهي تمشط رأسها وفاطمة تقول: يا أماه أني رأيت في منامي رؤيا البارحة، فقالت لها أمها خيراً رأيت يا بنية قصيها علي:
فقال حزام في نفسه: انتظر حتى أسمع ماذا رأت في منامها، فوقف في مكانه بحيث يسمع الصوت ولا يراه أحد.
فقالت فاطمة لأمها: أني رأيت فيما يرى النائم كأني جالسة في روضة ذات أشجار مثمرة وأنهار جارية، وكانت السماء صاحية والقمر مشرقاً والنجوم ساطعة، وأنا أفكر في عظمة خلق الله من سماء مرفوعة بغير عمد وقمر منير وكواكب زاهرة، فبينما كنت في هذا التفكير ونحوه وإذا أرى كأن القمر قد انقض من كبد السماء ووقع في حجري وهو يتلألأ نوراً يغشي الأبصار، فعجبت من ذلك وإذا بثلاثة نجوم زواهر قد وقعوا أيضاً في حجري، وقد أغشى نورهم بصري، فتحيرت في أمري مما رأيت، وإذا بهاتف قد هتف بي أسمع منه الصوت ولا أرى الشخص وهو يقول:
بشـــــــراك فاطــــــمة بـــالسادة الغـرر *** ثـــــلاثة أنجــــــم والــــزاهر القـــــمـر
أبـــــوهم ســـيد فـــي الخلــــق قـــاطبة *** بعد الرســـــول كــذا قـد جاء في الخبر
فلما سمعت ذلك ذهلت وانتبهت فزعة مرعوبة، هذه رؤياي يا أماه فما تأويلها:(9)
فقالت لها أمها: يا بنية ان صدقت رؤياك فانك تتزوجين برجل جليل القدر، رفيع الشأن، عظيم المنزلة عند الله، مطاع في عشيرته، وترزقين منه أربعة أولاد، يكون أولهم وجهه كأنه القمر، وثلاثة كالنجوم الزواهر.
فلما سمع حزام ذلك أقبل عليهما وهو مبتسم ويقول: يا بنية قد صدقت رؤياك!
فقالت له أمها: وكيف علمت ذلك؟
قال: هذا عقيل ابن أبي طالب جاء يخطب ابنتك!
قالت: لمن؟
قال: لفلال الكتائب ومظهر العجايب وسهم الله الصائب وفارس المشارق والمغارب الإمام علي بن أبي طالب (ع).
قالت: وما الذي قلت له؟
قال: أمهلته حتى أسألك عن ابنتك، هل تجدين فيها كفاءة بأن تكون زوجة لأمير المؤمنين، واعلمي أن بيته بيت الوحي والنبوة والعلم والآداب والحكمة، فإن تجديها أهلاً لأن تكون خادمة في هذا البيت وإلا فلا.
فقالت: يا حزام أني والله قد ربيتها وأحسنت تربيتها، وأرجو الله العلي القدير أن يسعد جدها، وأن تكون صالحة لخدمة سيدي ومولاي أمير المؤمنين، فزوجها به:
زوج كــــــريـــــمتنا بـــــالفارس البطل *** نعــــــم القـــــرينة لـلمولى الإمام علي
فـــــإنها حـــــرة فـــــي الحــسن بارعة *** فــي الــــــرشد كــــــاملة والــعـــــقل
فلما سمع حزام سر بذلك سروراً عظيماً، وأقبل إلى عقيل وهو مستبشر، فقال له عقيل: ما ورائك؟
قال: كل الخير إن شاء الله.. قد رضينا بأن تكون ابنتنا خادمة لأمير المؤمنين (ع).
فقال عقيل: لا تقل خادمة بل قل زوجة.
ثم قال عقيل: يا حزام هل عندكم اقتراح في الصداق؟
قال حزام: هي هبة منا إلى ابن عم رسول الله (ص)!
فقال عقيل: بل ممهورة. أما المهر فهو ما سنّه رسول الله (ص) في بناته وزوجاته خمسمائة درهم، وأما الهدية فلكم ما يرضيكم ويزيد.
فقال حزام: أعلم يا عقيل إنا لا نطمع في كثرة المال، ولكن نطمع في شرف الرجال.
ثم نهض حزام من وقته وساعته، ودخل على زوجته ثمامة بنت سهيل وهو يقول: البشارة فإنه قد سعد جدك وعلا مجدك وارتفع ذكرك، فقد قبل عقيل بن أبي طالب ابنتك زوجة لأخيه أمير المؤمنين صاحب الأنوار والهيبة والوقار.
فلما سمعت ذلك منه خرت ساجدة لله شكراً وقالت: الحمد لله الذي جمع شملنا بمحمد المصطفى (ص) وعلي المرتضى (ع).
ثم أقبلت على ابنتها فاطمة تهنئها وتقبلها ولسان الحال يقول:
يهـــــــنيك هــــــذا الشــــــرف العـــالي *** وأنــــــت فـــــــي عــــــــز واقــــــبـــال
فيــــــك فنـــــون الحســــن قـــد جمعت *** فصــــــــرت فــــــي فـــــضل بـــه عالي
حظـــــيت بـــــالمفضال خيـــــر المــــلا *** بـــــــعد النـــــبي الطــــــاهر العـــــالي
ثم أن حزام خرج ودعى عشيرته وقومه من بني كلاب وبني عامر، فلما اجتمعوا قام عقيل بن أبي طالب خطيبا: فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه (ص) ثم قال: أما بعد يا بني كلاب ويا بني عامر بن صعصعة، نحمد الله نحن العرب إذ جعلنا من خير خلقه، وأرسل فينا رسولاً من أنفسنا محمداً (ص) من شجرة النبوة، وجاءنا بدين الله القويم الذي ارتضاه لنا، إذ يقول القرآن: (إن الدين عند الله الإسلام)(10) وقال عز وجل: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه)(11) وأمرنا بنبذ البغضاء والشحناء والأحقاد، وحبب لنا صلة الأرحام والتقارب والاتحاد، إذ يقول جل ذكره: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم أن الله عليم خبير)(12) وحرم علينا الزنى والسفاح، وأحل لنا الزواج والنكاح، إذ يقول (عز شأنه): (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة أن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)(13).
وقال رسول الله (ص): (تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم) وهذا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، قد أحب مصاهرتكم وخطب إليكم كريمتكم فاطمة أم البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة، على كتاب الله وسنة رسوله، وقد ذكر القرآن (تبارك والله): (فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)(14) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ثم جلس، وقام حزام بن خالد، خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي فصلى عليه، ثم قال: يا قومي قد سمعتم ما قاله ابن عم رسول الله (ص) عقيل بن أبي طالب من ذكر نبينا محمد (ص) ودين الإسلام القويم، وأني أشهدكم وأشهد الله أني أدين بدين هذا النبي الكريم وأطيعه فيما نهاني عنه وما أمرني به، وأني قد ارتضيت علي بن أبي طالب لابنتي بعلاً، وارتضيتها له سكناً، وبما أنكم عشيرتي وقومي أطلعتكم على هذا الأمر فما تقولون؟
فقالوا: يا حزام ما تريدنا أن نقول في ابن عم رسول الله (ص) وناصر دين الله؟ ومن لنا بأكرم منه حسباً أو بمثله نسباً؟، فلنا الشرف والمجد والسؤدد ومن لنا بأكرم منه حسباً أو بمثله نسباً، فلنا الشرف والمجد والسؤدد في قربه منا وانتسابنا إليه، فنعم ما صنعت وخير ما رأيت.
فعند ذلك أخذ عقيل من أم البنين الأذن لأجراء صورة العقد واجراه في حضور جماعة من بني كلاب وأشهد منهم جماعة على ذلك.
فلما أراد عقيل السفر ودع بني كلاب وبني عامر وودع حزام وشكره على ما صنعه معه، من الحفاوة وعلى تلبيته لطلب أمير المؤمنين بالترحيب ثم ضرب لهم موعداً لارسال الصداق حتى يرسلوا العروس، ثم قفل راجعاً إلى المدينة.
فلما وصل عقيل إلى المدينة وأخبر أخاه أمير المؤمنين (ع) بذلك أرسل لهم الصداق مع الهدايا والتحف ما غمرهم به.
فلما وصلت الهدايا والتحف والصداق نهضت ثمامة والدة أم البنين، ودعت جاريتها وقالت لها: أمضي إلى داية ابنتي وقولي لها تأتي مسرعة!
فمضت وما أسرع أن رجعت ومعها الداية، فقالت لها: قومي وخذي ابنتي وأصلحي شأنها، فإنا نريد تزويجها!
قالت: ومن ذا يكون بعلها؟
قالت: أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وأبو الريحانتين، والإمام الهمام علي بن أبي طالب (ع).
ففرحت الداية فرحاً شديداً وقالت الحمد لله رب العالمين فقد سعد حظها وعلا قدرها.
ثم قامت وهنأت فاطمة بالسعادة الأبدية وأصلحت شأنها كما ينبغي وألبسوها الثياب الفاخرة وزينوها بالحلي والحلل.
ثم أمر حزام بأعداد خمسة هوادج مزينة بأحسن الزينة واركبوا فاطمة أم البنين وأمها في هودج، وقد غشوه بالحرير والأبريسم والنساء من بني عمومتها في بقية الهوادج من خلفها وركبت عشرة فوارس من بني كلاب يحفون بالهوادج وهم مسلحون بالسيوف الهندية والرماح الخطية وجاؤا جميعاً إلى المدينة، فلما وصلوا خرجت في استقبالهم النساء والرجال من بني هاشم وهم في فرح وسرور فأمر أمير المؤمنين (ع) أن تعمل لهم وليمة عظيمة تليق بشأنه وبشأنهم، وأكرمهم غاية الإكرام ومكثوا ثلاثة أيام في ضيافة أبي الحسن (ع).
فلما أرادوا ادخالها على أمير المؤمنين خرجت معها أمها ونساء بني هاشم ونساء المهاجرين والأنصار وهن ينشدن الأشعار ويصلين على النبي المختار (ص) وآله الأطهار (ع)، وأنشدت واحدة منهن تقول شعراً:
يهــــــنيك فـــــاطمة بـــــالفارس البطل *** نعــــــم الـــقرين أميــر المؤمنين علي
مــــــن لــــــلانام إمـــــام حـــجة وولي *** للــــــمؤمنين أميــــــر والغـــــدير جلي
وقد ارتفعت الأصوات بالصلاة والسلام على محمد (ص) وآله الأطهار من جميع النساء، وأدخلوها بهذه الهيئة الحسنة الجميلة وهن في بهجة وسرور ثم تفرقن عنها، فلما دخل بها أمير المؤمنين (ع) وجدها فوق الوصف، ورأى ما أسره من الحسن والجمال والهيئة والكمال.

الزواج:
تزوج أمير المؤمنين (ع) من فاطمة ابنة حزام العامرية، إما بعد وفاة الصديقة سيدة النساء (ع) كما يراه بعض المؤرخين، أو بعد أن تزوج بأمامة بنت زينب بنت رسول الله (ص) كما يراه البعض الآخر.
وهذا بعد وفاة الزهراء، لأن الله قد حرم النساء على علي (ع) ما دامت فاطمة موجودة، فولدت له أربعة بنين: العباس، وعبد الله، وجعفر، وعثمان، وعاشت بعده مدة طويلة، ولم تتزوج من غيره.
كما أن أمامة وأسماء بنت عميس وليلى النهشلية لم يخرجن إلى أحد بعده، وهذه الأربع حرائر توفي عنهن سيد الوصيين (ع)، وقد خطب المغيرة بن نوفل أمامة، ثم خطبها أبو الهياج بن أبي سفيان بن الحارث، فامتنعت وروت حديثاً عن علي (ع) أن أزواج النبي والوصي لا يتزوجن بعده، فلم يتزوجن الحرائر وأمهات الأولاد عملاً بالرواية(15).
وأم البنين المرأة الثانية التي تزوجها أمير المؤمنين باختيار الغير، والأولى أمامة بنت زينب بنت رسول الله (ص) بوصية من الزهراء (ع).
كما جاء عن السيدة فاطمة الزهراء (ع) ما هذا نصه: يا بن عم رسول الله.. أوصيك أولاً أن تتزوج بأمامة فإنها تكون لولدي مثلي فإن الرجال لابد لهم من النساء(16).

بحث في الزواج:
الإمام علي (ع) كان كفواً لفاطمة (ع) وفاطمة (ع) كانت كفواً لعلي (ع)، كما ورد في الأحاديث: قال الإمام الصادق (ع): (لولا أن الله خلق أمير المؤمنين (ع)، لم يكن لفاطمة كفؤ على وجه الأرض آدم فمن دونه)(17).
وفي بعض الروايات تساويهما في الفضيلة(18) بعد الرسول (صلى الله عليه وآله).
وهما (عليهما السلام) في المعنويات قبل الإمامين الحسن والحسين ()، وبعدهما الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، وبعده الأئمة الثمانية (صلوات الله عليهم أجمعين).
هذه هي درجات الفضل حسب ما يستفاد من الروايات، والعلم عند الله.
وبعد أن تزوج أمير المؤمنين (ع) بكفوه فاطمة (ع)، كانت أمامة حفيدة الرسول (ص) زوجة له (ع)، وإن كان بينها وبين الإمام علي (ع) بون شاسع، فإنه (ع) أفضل الخلق بعد رسول الله (ص).
وبعدها جاءت فاطمة أم البنين (رض)، ولها من الفضل والرفعة المعنوية ما لا يسعنا علمه، وإن كانت دون المعصوم (ع)، وحتى دون من لهم العصمة الصغرى كالسيدة زينب والسيدة المعصومة والسيدة نرجس (رض).
ومسألة الكفؤ من أهم ما يلزم ملاحظته في الزواج، والمقصود به ما بينته الروايات مثل:
(إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوِّجوه)(19).
والرسول الأعظم (ص) حرّض كل رجل وامرأة بالزواج من الكفؤ الشرعي، باختيار كل واحد للآخر حسب الملاك المذكور: (ترضون خلقه ودينه).
وهذه القاعدة تجري في الطرفين: الزوج بالنسبة إلى الزوجة، والزوجة بالنسبة إلى الزوج.
فكانت أم البنين (رض) قد بلغت درجة من الفضل والكمال حيث رضي أمير المؤمنين (ع) بخلقها ودينها، فأقدم على الزواج منها.. أما العكس فهو أوضح من أن يذكر.
لا يقال: كيف يحرّض الرسول (ص) على ما تقدم وعلى البكارة، ثم لم يلتزم هو بما ذكره؟
لأنه يقال: كان عمل الرسول (ص) وفقاً لقاعدة (الأهم والمهم)، ومن المعلوم أن تلك القاعدة مقدمة على غيرها - على ما ذكروه في الأصول -.
وكانت أم البنين (رض) في غاية الأدب والأخلاق، فقد قالت لعلي أمير المؤمنين (ع)، لا تسمني فاطمة! لأن الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم (ع) يتذكرون أمهم ويتأثرون بذلك!
ولذا سمّاها (ع) بـ (أم البنين) - على ما هي العادة عند العرب من الكنية - لا باعتبار الانطباق الخارجي، بل باعتبار الانتخاب، والله رزقها أربعة أولاد (مثل بدور الدجى) فصاروا مفخرة البشرية إلى يوم القيامة.

أم البنين و الشعر:
كانت اُم البنين شاعرة فصيحة، تخرج بعد مقتل الحسين (ع) ومقتل أولادها الأربعة كلّ يوم إلى البقيع، ومعها عبيدالله ولد ولدها العباس، فتندب أولادها ـ خصوصاً العباس ـ أشجى ندبة، فيجتمع الناس فيسمعون بكاءها وندبتها، و كان مروان بن الحكم (لعنه الله) على شدّة عداوته لبني هاشم يجيء في مَن يجيء، فلا يزال يسمع ندبتها و يبكي!
من جملة رثائها:
يا مَن رأى العباسَ كَرَّ *** على جمـاهيرِ النَقد
و وراه مِن أبناءِ حيدر *** كـلّ لـيثٍ ذي لبـد
أُنبئتُ أنّ ابني اُصيبَب *** برأسـهِ مـقطوع يد
ويلي على شبلي آمالَ *** برأسه ضَـربُ العَمد
لو كان سيفُكَ في يدك *** لمـا دنـا منك أحـد
ومن مراثيها أيضاً:
لا تَدعـونِّي ويـكِ اُمَ البنين *** تُـذكّرينـي بليـوث العَــــرين
كانت بنـون لـي اُدعى بهم *** واليوم أصبحتُ ولا من بنين
أربعـةُ مـثل نسـور الرُبـى *** قد واصلوا الموت بقطع الوتين
تُنـازع الخرصـان* أشـلاءَ‌هم *** فكلُّهـم أمـسى صريعاً طعين
يـا ليت شعـري أ كما أخبروا *** بـأن عبّـاساً قطيـع اليميـن

موقفها البطولي الرائع:
لم تحضر أم البنين واقعة الطف، إلاّ أنّها واست أهل البيت (ع)، وضحَّت من أجل الدفاع عن الدين الإسلامي بتقديم أولادها الأبطال الأربعة فداءً للحسين (ع) ولأهدافه السامية.
ثم واصلت جهادها الإعلامي بعد مقتل سيد الشهداء ووصول أهل البيت (ع) إلى المدينة المنورة، فكانت تخرج كل يوم إلى مقبرة البقيع ومعها عبيدالله ولد ولدها العباس، فتندب أبناءها الأربعة أشجى ندبة، فيجتمع الناس إليها فيسمعون بكاءها وندبتها ويشاركوها العزاء، كما كانت تقيم مجالس العزاء في بيتها فتنوح وتبكي على الحسين (ع) وعلى أبنائها الشهداء الأربعة، ولم تزل حالتها هذه حتى التحقت بالرفيق الأعلى.

وفاتها:
تُوفيت هذه السيدة الجليلة في الثالث عشر مِن جمادى الآخرة سنة 64 هـجرية، في المدينة المنورة، ودُفنت بالجانب الغربي من جنة البقيع، حيث يتوافد الزائرون لزيارة مرقدها الطاهر.

ولائها للإمام الحسين (ع):
كانت أم البنين تحب الحسين (ع) وتتولاه إلى حدّ كبير يفوق المألوف، ومما يدلّ على ذلك موقفها البطولي لدى وصول خبر إستشهاد الإمام الحسين (ع) إلى المدينة، الموقف الذي لا ينمحي من ذاكرة التاريخ أبداً، هذا الموقف الذي رفع من شأنها و منحها منزلة رفيعة في قلوب المؤمنين.
يقول المامقاني في تنقيح المقال: ويستفاد قوّة إيمانها وتشيّعها من أنّ بشراً بعد وروده المدينة نعى إليها أحد أولادها الأربعة.
فقالت ما معناه: أخبرني عن أبي عبدالله الحسين (ع)!
فلمّا نعى إليها الأربعة! قالت: قطّعت نياط قلبي، أولادي ومَن تحت الخضراء كلّهم فداء لأبي عبدالله الحسين (ع)!
فإنّ عُلْقَتِها بالحسين ليس إلاّ لإمامته (ع)، وتهوينها على نفسها موت مثل هؤلاء الأشبال الأربعة إن سَلِمَ الحسين (ع) يكشف عن مرتبة في الديانة رفيعة، وإنّي اعتبرها لذلك من الحسان إن لم نعتبرها من الثقات.


الهوامش
------------------------------------
1 - سورة الحجرات: الآية 11.
2 - أوصت بنت الحارث ابنتها حين زفت إلى زوجها (يا بنية) احملي عني عشر خصال: تكن لك ذخراً وذكراً: الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، والتعهد لموقع عينه والتعقد لموضع أنفه فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح، والتعهد لوقت طعامه، والهدوء عنه عند منامه، والاحتفاظ ببيت ماله، والارعاء على نفسه وحشمة عياله، ولا تفشي له سراً، ولا تعصي له أمراً، ثم تقي الفرح أمامه إن كان ترحاً، والاكتئاب عنده إن كان فرحاً، وكون أشد ما تكونين له اعظاماً، يكن أشد ما يكون لك اكراماً، وأشد ما تكونين له موافقة، يكن أطول ما يكون لك مرافقة (راجع جريدة العربي عدد 928/2 ربيع الثاني 1380 هـ).
3 - عمدة الطالب للسيد الداودي: ص 324.
4 - أسرار الشهادة: ص 334.
5 - ثمرات الأعواد، للسيد الهاشمي: ج 1 ص 104.
6 - بطل العلقمي: ص 101 ج1.
7 - سورة آل عمران: الآية 159.
8 - سورة النجم: الآية 4.
9 - قال الشيخ عبد العظيم الربيعي في ديوانه من قصيدة يرثي بها العباس بن علي (عليهما السلام):
بـــــدا بـــــأوج العــــلى بـــدراً وأخوته *** مـــــن أمــــــه وأبـــــيه أنـــجم الأفــق
وقال في الهامش: فيه تلويح إلى الرؤيا التي رأتها أم البنين قبل تزويجها بأمير المؤمنين: والقصة مشهورة.
10 - سورة آل عمران: الآية 19.
11 - سورة آل عمران: الآية 85.
12 - سورة الحجرات: الآية 13.
13 - سورة الروم: الآية 21.
14 - سورة الشورى: الآية 11.
15 - العباس، للمقرم: ص 72.
16 - بحار الأنوار: ج 10 ص 55.
17 - سفينة البحار: ج 2 ص 484 مادة(كفأ)، بحار الأنوار: ج 43 ص 107، التهذيب: ج 7 ص 470 ب 41 ح 90، عوالم العلوم، مجلد فاطمة الزهراء (عليها السلام) ص 52.
18 - راجع كتاب (من فقه الزهراء) ج1 ص 27 و 284، معالم الزلفى (للسيد الحبراني).
19 - غوالي اللئالي: ج 2 ص 274 ح 37.
[*] الخرص من الرماح: رمح قصير يتخذ من خشب منحوت، وقد يقال لدقاق القناة وقصارها: خرصان‏، انظر: العين: 4/184، للخليل بن أحمد الفراهيدي البصري، المولود سنة : 100 هجرية بالبصرة، الطبعة الثانية، سنة 1410 هجرية، دار الهجرة، قم/إيران.

المصادر:
ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
مركز الإشعاع الإسلامي
[url=http://shiavoice.com/play-28673.html]أم البنين - باسم الكربلائي[/url]

05‏/06‏/2009

موقعية شخصية النبي (ص) في القرآن الكريم

هل كانت شخصية النبي (ص) شخصية عادية؟
أم هي الشخصية التي لا تقارن؟


مدخلية العظماء في تاريخ وواقع ومستقبل الأمم
إن القراءة المتبصرة في تاريخ الحضارات والأمم، ومعرفة عوامل ازدهارها وتطورها، تبين وبوضوح جوهرية دور العظماء من المفكرين والمبدعين في مجالات التأثير الإنساني، في صياغة تاريخ هذه الأمة، وتكوينها النفسي، ومبادئها ومنظومتها الأخلاقية والاجتماعية، ومقوماتها الفكرية والثقافية.
ومن هنا تناول المؤرخون دراسة سيرة الشخصيات والمجتمعات، بحسب تأثير كل وواحد منهما على الآخر، فبرزت المدرسة التحليلية القائمة على أساس جوهرية دور وتأثير الشخصيات على المسار التاريخي والوجودي لهذه المجتمعات سلباً وإيجاباً، وتؤمن هذه المدرسة بأن شخصية الفرد يجب أن تعنى بدراسة أكثر وأعمق، لأنه من الممكن أن يكون لهذا الفرد أو ذاك تأثير عميق في تاريخ هذه الأمة إيجاباً كشخصية غاندي أو نابليون أو زنوبيا، أو سلباً كالحجاج ويزيد وهتلر، ومن أبرز من تبنى هذه النظرية في التحليل النفسي في الدراسات التاريخية كان الكاتب الأستاذ عباس محمود العقاد في سلسلة العبقريات المعروفة.
بينما تبنى تيار آخر الدور الحتمي للبيئة الاجتماعية في صناعة شخصية الإنسان، وأن الإنسان في نهاية الأمر هو نتاج تراكمات معرفية وصلت إليه عبر العصور، وإرث أخلاقي وسلوكي تتناقله الأجيال، بشكل قسري، وهو ما يفسر عند قراءة التاريخ لماذا تميّزت بعض المجتمعات أو الشخصيات بقواسم محددة ومشتركة، وهذه النظرية في مجملها تبرر لنظريات الجبرية التاريخية والاجتماعية والحضارية مثل صراع الحضارات أو النظرية العنصرية، لأنها تأخذ على نحو الحتمية والمسلمة: التأثير القسري للبيئة الاجتماعية في تكوين ثقافة وسلوك أفراد هذه المجتمعات، وأن الشخصيات التي برزت أو تبرز منه، ما هي إلا خلاصة وعصارة هذه البيئة وتراكماتها الثقافية والاجتماعية.
ومن هنا كان لزاماً علينا أن نتعرف على شخصية الرسول الأعظم (ص) بشكل دقيق لكونه أعظم شخصية مؤثرة في تاريخ البشرية، ماضيها وحاضرها، بل ومستقبلها، وأفضل طريق لكي نتعرف على هذه الشخصية العظيمة هي أن نتلمس ملامحها ونتعرف على موقعيتها من خلال القرآن الكريم.


لوازم الشخصية التاريخية المؤثرة
وكي نتطرق لدراسة شخصية النبي (ص) وموقعيتها في القرآن، لابد أن ندرك حقيقة أن القرآن عندما يطرح شخصية ما، فإنما يرسم ملامحها ويبين دورها وتأثيرها، وموقعها في بيان اللوحة النهائية للتفاعل الحضاري والصراع الأزلي بين الحق والباطل،.
ولذلك فإن أي شخصية تطرح في القرآن الكريم، فيما يتعلق بالنماذج الإيجابية والقدوات البشرية كانت يجب أن تتحلى بصفتين:

أ/ تميّز الشخصية
فلا بد أن يكون لهذه الشخصية من التميز، ما يبين وبوضوح، موقعيتها وأهميتها لدى المتلقي للنص القرآني، ومن خلال حيثيات الواقع المباشر، والذي خلّده القرآن بنصوصه، بل لا بد وأن يكون الأجلى بياناً ومظهراً في الخارج، بما لا يدع مجالاً للشك والريب، لفطرة الإنسان المجبولة على الخضوع والانقياد للأفضل والأحسن دون غيره تحديداً.
إذ أن نزعة الغرور الشيطانية لن تسمح للإنسان أن يتعامل من موقع الانقياد والطاعة والاقتداء بمن هو أقل منه شأناً في هذا المجال أو ذاك، ويدل على ذلك وبوضوح مفاد الآية الشريفة: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً} 94:سورة الإسراء!
ولذلك عندما يذكر القرآن الكريم ميزة شخصية من ميزات الرسول الأعظم (ص)، فإنها توصف على نحو التعظيم والإجلال كما في قوله عز وجل: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} 4:سورة القلم

ب/ القابلية للإقتداء
ولأن الهدف الأسمى من بيان وذكر هذه الشخصيات في القرآن هو تفعيل تأثيرها في المجتمع، وتأصيل حضورها كقيم ومفردات سلوك وأطر وعي حضاري، فلا بد أن تتوفر في هذه الشخصيات نقطة تراعي بشرية الإنسان، بحيث يكون مجال الاقتداء متحققاً بكون أن هذه الشخصية إنما هي شخصية بشرية، تكاملت في طريق العبودية الحقة لله تعالى، وحظيت بالعناية الإلهية الخاصة، لتحقق وظيفة الإرشاد والتوجيه، فكان لزاماً أن يكون هذا الرسول: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} 9:سورة الأنعام، لأن المقصود من ذكر هذه الشخصيات هو كونها قابلة للاقتداء، وليست شخصيات تفتقد خيار الإرادة في التغيير أو الالتزام، كما هو حاصل في صنف الملائكة، وتتحلى بقدرات خارقة يكون حاجز افتقادها لدى البشر عذراً أمام مسؤولية الاختيار والالتزام.


أهمية القراءة المتوازنة
من أهم وأبرز العوائق التي قد تواجهنا لدى دراسة أي شخصية من الشخصيات، هو الالتزام بالموضوعية والاتزان، لأن الطبيعة البشرية تعاني من حيث تركيبتها العاطفية المتقلبة وفق الأهواء والرغبات، وقدراتها العقلية المحدودة المتأثرة بنقص المعلومة أو تنميطها وفق قياسات أو صور مسبقة، أو المنمذجة وفق قناعات محددة، قياساً إلى النص الرباني المحكم، والصادر من العدل البصير الخبير، الذي يحدد وبدقة ماهية هذه الشخصية أو تلك، ومزاياها وموقعيتها، وفق ملاكات تسمو على الحقبة التاريخية أو البيئة الاجتماعية أو التركيبة الثقافية، لأن النص القرآني يلاحظ خلود الفكرة وسمو الهدف واشتراك المباديء العامة التي من أجلها خلق الإنسان، ولتحقيقها يعيش، وبوصوله لها يحقق الغاية والهدف المنشود.
ولأننا في مورد دراسة شخصية النبي (ص) وامتداده الوظيفي والقيمي والوجودي وهم العترة الطاهرة (ع)، تتبعنا نصوص الزيارات الواردة في زيارة النبي وآله عليهم السلام، كمرشد ومؤشر يساعدنا في فهم هذه الشخصية ومعرفة أهم محدداتها، فكانت الدعوة واضحة في الحث على الاتزان والانضباط في قراءة شخصياتهم ووضعها في إطارها السليم، فلا تعدٍ عليهم وعلى مقامهم الشامخ واستباق مكانتهم بشخصيات مصطنعة أو مباديء موهومة مبتكرة: (السابق لهم مارق والمتأخر عنهم زاهق)، ومع التأكيد على موقعية العترة الهادية في مكانة التأثير والفعل في حياة الأمة: (ولعن الله أمة أزالتكم عن مراتبكم التي رتبكم الله فيها)، ومع التأكيد بأن إظهار حقيقة المقام الشامخ لهذه الشخصيات مؤطر بحقيقة العبودية (نزهونا عن الربوبية وقولوا فينا ما شئتم)، وأن عظمة النبي محمد (ص) تكمن في حقيقة عبوديته لله {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} يونس:49، وعدم سحب الخصائص الإلهية الواردة بالنص وحكم العقل للعترة الهادية على من هو خارجها، سواء دخل في دائرة الولاية لأهل البيت عليهم السلام أو كان خارجها.


إشكالية الفهم القشري لموقعية شخصية النبي (ص) في القرآن
ويواجهنا ضمن ما يواجهنا في بحث مكانة شخصية الرسول الأعظم (ص) وموقعيتها في القرآن الكريم، إشكالية الفهم القشري والسطحي للآية الكريمة: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران:144)، ونحن هنا أمام قراءات متعددة:

القراءة القشرية والسطحية
وهي تنص على أن قيمة ومكانة شخصية النبي (ص) محصورة بحياته، محدودة بزمانه، ولا ترى له فضلاً أو تميزاً، وأنه بعد موته لا ينفع ولا يضر، وقد تكون عصا جامدة هي أفضل منه وأنفع!

القراءة المعاندة والمستكبرة والمضادة
وهي قراءة قد تنكر رسالة النبي (ص) أو بعض لوازمها الذاتية الوجودية، فقد تجد الجرأة والمبرر لتناقش الرسول (ص) في عصمته وتبليغه عن الله: (أهو منك أم من الله)! أو تراه إنساناً عادياً، يخطيء ويصيب في أمور الدنيا! بل قد تراه يخطيء أحياناً حتى في بعض أمور الدين ومصاديق التبليغ، وذلك عندما يوافق الوحي الإلهي هوى بعض الأصحاب، ويخالف رغبة النبي (ص)!

القراءة الواعية
وهي قراءة تؤكد على أن الرسالة متقومة بثوابتها، وأن الرسل كسلوك وفكر وشخصية من أهم ثوابتها، ومداخل فهمها وتطبيقها، وتؤكد أيضاً على تماهي شخصية النبي (ص) بموضوع الرسالة وحقائقها، باعتباره اتحاد الدور والوظيفة واشتراك الهدف والمعنى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) سورة النجم، وأن الرسول حي بحياة رسالته، وليست الرسالة حية بحياة الرسول، وهذا يفيد امتداد التأثير حتى بعد الموت، ورحم الله الشاعر الكبير الشيخ الوائلي عندما أوضح هذا المعنى الرائع بقوله:
قد يموت الرسول جسماً .... ولكن بالرسالات لن يموت الرسول
كما أن نفي خصائص النبي (ص) وميزاته، وفق القراءة السطحية والقشرية، تعارضها النصوص القرآنية المشيرة إلى ميزات النبي (ص) وخصائصه، سلوكاً وفكرا وشخصاُ، حياً وميتاً!
بل أن دائرة تميز الرسول (ص) اتسعت لتشمل وتنعكس ضمن مرآة التأثير وقيمة المحتوى على كل من يمتّ إليه بعلاقة أو صلة، مع ملاحظة وجود استحقاقات ومحددات لتحقق التميز وتجسده خارجاً في هذه الشرائح، ما عدا تميّز العترة الطاهرة التي ميّزت بدون هذه القيود، كونها امتداداً للرسول وتجلياً لحقيقته.
فقد ميّز الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم على سبيل المثال لا الحصر:

أمة النبي:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} البقرة:143
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} آل عمران:110

أصحاب النبي المنتجبين:

{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} الفتح:29
{لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} التوبة:117

نساء النبي:

{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً} الأحزاب:32
{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً} الأحزاب:6
{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً} الأحزاب:30

قرابة النبي:
{ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} الشورى:23
{فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} آل عمران:61


مميزات وموقعية شخصية الرسول الأعظم (ص) في القرآن
وهنا نورد - على نحو الشاهد والاختصار لا على نحو الإحاطة والاستقصاء - بعض النصوص القرآنية الدالة على ميزات شخصية النبي (ص):

شمولية الدور الرسالي واختصاصه بالنبي (ص):
{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} الأحزاب:40
{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} الأعراف:157
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} الأحزاب:45

الوعد الإلهي الخاص والعام بالنصر المؤزر:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ} الأنفال:65

انحصار إرث الرسل والرسالات بالنبي (ص) وعترته (ع):
{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} آل عمران:68

نبل الأخلاق والصفات الشخصية:
{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم:4
{وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} التوبة:61
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} التحريم:1

الأحكام المختصة بنساء النبي:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} الأحزاب:50
{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً} الأحزاب:53

الإطلاع على الأسرار والخفايا:
{وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} التحريم:3

الصلاة على النبي وآله (ع):
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} الأحزاب:56

اختصاص الرسول بالمرجعية النهائية للأمة:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} النساء:59
{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} النساء:65

انحصار الاستنباط الصحيح به (ص) وبعترته (ع):
{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً} النساء:83

علامة النفاق التعامل المصلحي مع الرسول:
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} المائدة:41

علامة النفاق الصدود عن النبي (ص) ونهجه:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً} النساء:61

صلاة الرسول قربة للمؤمنين:
{وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} التوبة:99

اقتران طاعة الله بطاعة الرسول واتحاده حقيقة ومظهراً:
{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} النساء:80
{وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} النور:56
{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} المائدة:92

انحصار الأخذ بأثر الرسول (ص):
ومعنى الأخذ انحصاري هنا، لا يتسع في المفهوم أو المصداق، وهذا يبين الخلط الحاصل في مثل الأخذ بمثل سيرة الصحابة في مقابل نص المعصوم: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الحشر: من الآية7

لازمة طاعة النبي (ص) التبريء من أعداء الله قلباً وقالباً:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} الممتحنة:1

التبليغ بالولاية الاختبار الأعظم:
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} المائدة:67

مشاقة الرسول وبطلان العمل:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} محمد:33
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} محمد:32

الأدب الخاص في التعامل مع الرسول (ص):
{لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} النور:63
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} الحجرات:2
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً} الأحزاب:53
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} المجادلة:12
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} النور:62

استغفار الرسول (ص) قرين الاستغفار من الله:
{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً} النساء:64

اختصاص الفيء بالرسول (ص):
{مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الحشر:7

سر الرحمة الإلهية:
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} آل عمران:159

بشرية الرسول سر الإعجاز الإلهي:
{وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} الفرقان:7

وختاماً أؤكد على أني بهذا الاستقصاء البسيط حول مفردة الرسول (ص) في القرآن الكريم، حاولت أن لا أسهب في تحليل هذه المميزات والخصائص والموقعية، مكتفياً بالعنونة البسيطة لمفاداتها، تاركاً مهمة التعمق والتدبر في مضامينها ودلالاتها للقاريء الكريم، ليشارك معي في استنباط هذه الخصائص دون أن أحدد أفقاً يحد من سعة إعمال الفكر في التحليق بهذه القيم السامية، التي تحتاج إلى كل ميزة منها إلى بحث مستقل، وموازٍ لهذا البحث في الحجم، وهو قليل بحيث لا يكاد يذكر، أمام تجليات هذه الشخصية الإلهية العظيمة، التي تمثل بحق جوهر الإسلام وروحه الوضاءة.

شخصية الإمام علي (ع) بين الذاتية والموضوعية

بمناسبة مولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ألقيت محاضرة بعنوان "شخصية الإمام علي (ع) بين الذاتية والموضوعية"، وهذا تلخيص واستعراض لأهم وأبرز نقاطها.

استهلّت الكلمة في ذكرى مولد أمير المؤمنين (ع)، بالتركيز على أفعال التفضيل التي وردت في إحدى الروايات المأثورة، والتي يخاطب فيها الزائر شخص الإمام بقوله: "رحمك الله يا أبا الحسن! كنت أوّل القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدّهم يقيناً، وأخوفهم لله، وأعظمهم عناء، وأحوطهم على رسول الله، وآمنهم على أصحابه، وأفضلهم مناقب، وأكرمهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم من رسول الله، وأشبههم به هدياً وخلقاً وسمتاً وفعلاً، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله وعن المسلمين خيراً. قويت حين ضعف أصحابه، وبرزت حين استكانوا، ونهضت حين وهنوا، ولزمت منهاج رسول الله إذ همّ أصحابه، وكنت خليفته حقّاً، لم تنازع ولم تضرع برغم المنافقين، وغيظ الكافرين، وكره الحاسدين، وصِغْرِ الفاسقين. فقمتَ بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا، ومضيت بنور الله إذ وقفوا، فاتّبعوك فهُدوا، وكنت أخفضهم صوتاً، وأعلاهم قنوتاً، وأقلّهم كلاماً، وأصوبهم نطقاً، وأكبرهم رأياً، وأشجعهم قلباً، وأشدّهم يقيناً، وأحسنهم عملاً، وأعرفهم بالاُمور. كنت والله يعسوباً للدين، أوّلاً وآخراً: الأوّل حين تفرّق الناس، والآخر حين فشلوا... إلى آخر الزيارة".


المدخل
كان المدخل للموضوع هو الاستغراب من كون الإشارة للعظماء عادة ما يكون بلسان غيرهم، باعتبار أن الإشارة من الإنسان إلى نفسه يعتبر أمراً غير مرغوب فيه!
ومع ذلك: نلاقي كل هذا الكم الهائل من الإشارة للذات في كلام أمير المؤمنين، فما هي الغاية أو الهدف؟
فهل مجرد مظلوميته مسوغة لذلك؟
ومتى تكون الإشارة للذات تزكية للنفس؟ ومتى تكون إظهاراً للحق؟
وهل للإشارة للذات مدخلية واقعية للوصول إلى الحقيقة وموضوعها؟
ومتى تتمازج الذات مع الحق فتكون الإشارة للذات إشارة للحق؟
وما هو موقفنا من معرفة الرجال بالحق، وليس معرفة الحق بالرجال؟
ولماذا لا نشير للحق في الرجال بدلاً من الإشارة للرجال في الحق؟

وهنا لا بد أن نقف ونتساءل:
ما هو الحد المائز بين الذاتية والموضوعية في شخصية الإمام علي؟
وهل هناك حقيقة وحدة بينهما؟
فلنستعرض نماذج من إشارته الى ذاته كقوله:
"معاشر الناس، (أنا) أخو رسول الله ووصيّه ووارث علمه، خصّني وحباني بوصيّته، واختارني من بينهم!"
"(أنا) صنوه، ووصيّه ووليّه!"
"(أنا) وصيّ خير الأنبياء"
"(أنا) إمام البريّة"
"(أنا) يعسوب المؤمنين"
"(أنا) عبدالله، وأخو رسوله، لا يقولها أحد قبلي ولا بعدي إلاّ كذب"
"(سلوني) عن أسرار الغيوب; فإنّي وارث علوم الأنبياء".


مسوغات الإشارة للذات عند أمير المؤمنين (ع)

1- ذوبان واندكاك علي (ع) في الحق
س: هل نحتاج للحق في حياتنا؟
ج: نعم، فوجهات النظر والرؤى مختلفة، والكل ينشد الحق ويسعى له ويدعيه!
ولذلك كان الحق هو الهدف والوسيلة دائماً وأبداً، وأبرز موارد الحاجة للحق هو في الحكومة حين الاختلاف (فلا و ربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)!
والسؤال هنا: لماذا لم يقل القرآن (حتى يحكموا الحق فيما شجر بينهم)؟
فيتبين لنا هنا أن للحق موضوع خارجي هو انعكاس ومرآة لذاته، وهم محمد (ص) وعترته (ع)، بل أن الحق متأخر رتبة عنهم، بحيث يكون هو تابعاً لهم ونابعاً منهم، ويستمد حقانيته من ذواتهم "الحق مع علي، وعلي مع الحق، أدره معه حيثما دار".
فالحق يتبع علي، وليس علي من يتبع الحق، لأنه حقٌ محض، لا ينفك الحق أن يكون منه وله، وقد عرفنا هنا أن للحق موضوعاً خارجياً يبرز ذاته المكونة من تعاليم السماء، وهو مظهرها وتجليها الحقيقي في عالم الوجود والمادة، فضلاً عن عالم الفكر والمثل.

2- علي (ع) مظهر الحق وجوهره
الحق يحتاج إلى علائم ودلائل تميزه عن موارد الشبهات والهلكات، وعلي هو العلامة المسجلة والفارقة له، ومكنون كل قيمة أو معنى سامٍ في الوجود، وهو مجمع الفضائل.
وقد جاء في كتاب (تاريخ دمشق)، عن ابن عبّاس: ستكون فتنة، فمن أدركها منكم فعليه بخصلتين: كتاب الله، وعليّ بن أبي طالب! فإنّي سمعت رسول الله يقول ـ وهو آخذ بيد عليّ ـ: "هذا أوّل من آمن بي، وأوّل من يصافحني، وهو فاروق هذه الاُمّة، يفرق بين الحقّ والباطل، وهو يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظلمة، وهو الصدّيق الأكبر، وهو بابي الذي اُوتي منه، وهو خليفتي من بعدي".

3- ضرورة وجود معيار فعلي ومرجع واقعي للحق في الحياة
عند اختلاط الصورة وتحاكم المعاني، لا بد من وجود معايير محكمة وجلية له!
وعلي (ع) هو المعيار التام لهذا الحق، فلا يعرف الحق إلا بعلي (ع)، فمن كان مع علي (ع)، كان الحق معه.

4- العصمة والكمال من لوازم الإمامة
أ- النظرة الإسلامية للتغيير
فالإسلام يعتقد أن تغيير الذات هو مقدمة وأساس التغيير الناجح {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.
ومن هنا كان ضرورياً أن يكون القائد أولاً نموذجاً للكمال والحق في نفسه، حتى يستحق أن يكون قدوة وعلامة على الحق.
ب- المصداقية الشخصية
ومن هنا كانت حياة علي (ع) نموذج واقعي بشري لتجسد الحق في السلوك والفعل، وفي الفكر والروح، وهذا ما دعى لإن يكون علياً (ع) في دائرة أوسع من الدائرة الإسلامية، وبما يحتوي الدائرة الإنسانية بما جبلت عليه من عشق للقيم، وعشق أي شخصية تعكسها وتطبقها.
هذا ما جعل أشخاص مثل "سليمان كتاني" في (علي (ع) نبراس ومتراس)، و "جورج جرداق" في (موسوعة الإمام علي (ع) صوت العدالة الإنسانية)، وآخرون كثر من ديانات ومذاهب شتى يترجمون حياة الإمام علي (ع)، وبحيث يجعل "بولس سلامة" الإنصاف قرين التشيع: "إن في كل قلب كل منصف شيعياً".
ج- طرح وعرض النظرة الإسلامية للقيادة
وهي أن المكان بالمكين، والذي يشتمل على الخصائص والمؤهلات اللازمة لذلك، من قول أو فعل، ولذلك كانت الإمامة تتطلب المبادرة والتفاضل، فكان علي دائماً هو الأول والأفضل: "أقضاكم علي"، "أفقهكم علي"، فعلي (ع) هو الأول في كل مجال دخل فيه (راجع أفعال التفضيل في الزيارة السابقة أعلاه).
د - أهمية تنجز وتحقق النموذج البشري الكامل
فلا بد للإنسانية من وجود نموذج بشري كامل، يحقق القيم الإلهية المنشودة، ولكي يكون ذلك حقيقة واقعة، اصطفى الله من خلقه الأنبياء والأوصياء (ع)، ليكون سلوكهم وقولهم، وبالأحرى ذواتهم، علامة على الحق ودليل عليه، وعلي (ع) هو التجسد الكامل للكمال في الشخصية البشرية، والهدف المنشود للمحاكاة للوصول للقمة:
- عن علي (ع): "وإنّما هي نفسي أرُوضها بالتقوي لتأتي آمنةً يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق. ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل، ولُباب هذا القمح، ونسائج هذا القزّ، ولكن هيهات أن يغلبَني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشِّبَع، أ وَأبيتَ مبطاناً وحولي بُطونٌ غرثى وأكبادٌ حرّى، أو أكون كما قال القائل:
وحسبك داءً أن تبيت ببطنة *** وحولك أكبادٌ تحِنُّ إلى القدِّ
أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين، ولا اُشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون اُسوةً لهم في جشوبة العيش! فما خُلقتُ ليشغلني أكل الطيّبات، كالبهيمة المربوطة، همّها علفها، أو المرسلة شغلها تقمّمها".
- عن علي (ع): "ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً، يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفي من دنياه بطِمْريه، ومن طُعمه بقرصيه، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفّة وسداد".
5- عدم إنكار المعاصرين لعلي في الإشارة لذاته، دليل الموضوعية وأهمية الإشارة إليها
فلم يكن هناك من ينكر على علي (ع) حقيقة أفضليته وجدارته بالإمامة على مستوى الدعوى والاستدلال!
وفي نفس الوقت كان أمير المؤمنين مستبعداً عنها من ناحية عملية لدوافع لا تتعلق بالاستحقاق الموضوعي لها، ولا في المصداق العملي لها من خلال شخصيته ومعطياتها، بل لدوافع وعوامل خارجية مفروضة قهراً وظلماً!
فكان من الضروري إبلاغ الحجة وبيان العلائم الهادية ونصبها لائحة للأمة، وهذا ما فعله علي عندما أشار إلى نفسه.
6- التكامل الوظيفي بين النبوة والإمامة والعترة والكتاب يفرض الإشارة إلى الإمام
من حيث كون الإمامة استمرار وامتداد لهدي النبوة، ووصاية على قيمها ومسيرتها، وكما أن القرآن كان يشير إلى أهمية النبوة وجذريتها وموقعيتها عقيدة وفكراً، وكان يكرر الإشارة إلى شخصية النبي والرسل، وحيث أن العترة عدل الكتاب، ولسانه الناطق، كان من المهم الإشارة إلى الوصي وموقعيته عقيدة وفكراً، ولذلك أصبحت الإمامة ومصاديقها من أهم مواضيع العقيدة والفكر الإسلامي.
- عن رسول الله (ص): "القرآن إمامٌ هاد، وله قائد يهدي به ويدعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وهو عليّ بن أبي طالب، وهو وليّ الأمر بعدي، ووارث علمي وحكمتي، وسرّي وعلانيتي، وما ورثه النبيّون قبلي، وأنا وارث ومورّث، فلا تُكذِبنّكم أنفسُكم".
- عن رسول الله (ص): "{إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}; المنذر أنا، والهادي عليّ بن أبي طالب".
- عن علي (ع): "إنّ الله تبارك وتعالي خصّني بما خصّ به أولياءه وأهل طاعته، وجعلني وارث محمّد، فمن ساءه ساءه، ومن سرّه سرّه".
7- تأكيد استمرارية الهدي النبوي يفرض الإشارة إلى الإمام
فالتأكيد المستمر من النبي على وجود كثير من خصائصه في أمير المؤمنين إلى درجة الانطباق التام، ووصيته للأمة في أتباع الأكمل في اقتدائه وشخصيته وهو علي (ع)، فرض على الإمام (ع) أن يؤكد هذا المعنى للأمة ويذكرها به في مواجهة التعتيم التام والتزوير والتزييف المستمر لوجدان الأمة وعقلها:
- عن علي (ع): "ولقد كنت أتَّبعه اتّباع الفصيل أثر اُمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه عَلَماً، ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحِراءَ، فأراه ولا يراه غيري، ولم يَجْمَع بيتٌ واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما; أري نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوّة. ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه، فقلت: يا رسول الله! ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيِس من عبادته. (إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى)، إلاّ أنّك لست بنبيّ، ولكنّك لوزير، وإنّك لعلي خير".
- سأل عبدالرحمن بن خالد قثمَ بن العبّاس: من أين ورث عليٌّ رسولَ الله؟ قال: إنّه كان أوّلنا به لحوقاً، وأشدّنا به لزوقاً.
كما يلاحظ في هذه الروايات اقتران ضمير المتكلم - وهو النبي هنا - بعلي ، وارتباط النبوة بالإمامة وتكاملهما:
- عن رسول الله (ص): "(كنت) أنا وعليّ نوراً بين يدي الله عزّ وجلّ، يسبّح الله ذلك النور ويقدّسه قبل أن يخلق آدم بألف عام، فلمّا خلق الله آدم ركّب ذلك النور في صُلبه، (فلم يزَل في شيء واحد حتي افترقنا في صُلب عبد المطّلب، ففيَّ النبوّة، وفي عليّ الخلافة)".
- عن رسول الله (ص): "من (كنت) مولاه فعليّ مولاه ، اللهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه".
- عن رسول الله (ص): "هذا وليّ من (أنا) مولاه ، اللهمّ والِ من والاه ، اللهمّ عادِ من عاداه".
- عن رسول الله (ص): "(أنا) مدينة العلم، وعليّ بابها".


معنى التشيع الصادق
وبعد استعراض تلك المحاور وشرح معطياتها, كان التساؤل عن موقعية محبي أمير المؤمنين (ع) منه ومن نهجه النير المشرق؟
وماهية ومعنى "التشيع الصادق"؟
وكان الجواب على هذا التساؤل:
بأن ذلك يتحقق من خلال أمور هي:
1/ الورع
وهذا يعني تجنب مواطن النهي في الشريعة الإسلامية، وما أشار إليه القرآن والعترة، وهذا يتطلب العلم التام بها، وهو ما لا يكون دون الاتباع التام لهدي القرآن والعترة.
واللازمة الأساسية في كل وصية من أمير المؤمنين لشيعته هي تقوى الله، ويمكن مراجعة خطبه وملاحظة استهلالاته في خطبه بالدعوة إلى التقوى.
2/ الاجتهاد
فنحن مطالبون باستمرارية السعي وبذل الجهد، وتحسين الأداء، أفراداً وجماعات، وأن لا يداخلنا اليأس من الصلاح أو الإصلاح.
والاجتهاد هنا بالمعنى الأعم في عمارة الدنيا والآخرة:
- "من طلب الدنيا حلالا; تعطّفاً على والد أو ولد أو زوجة، بعثه الله تعالى ووجهه على صورة القمر ليلة البدر".
- "اُوصيكم بالخشية من الله في السرّ والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والاكتساب في الفقر والغنى".
- "إنّ طلب المعاش من حلّه لا يشغل عن عمل الآخرة".
3/ العفة
وهي مرحلة من أرقى مراحل السلوك، تتوخى المثالية في السلوك، واجتناب موارد الشبهة فيه، فضلاً عن اقتحام موارد الهلكة، وهو ما يعني ضرورة السعي والنظر للأفضل دائماً، وعدم الاستقرار على مستوى واحد.
4/ السداد
وهذا يتطلب المقاربة مع الأصول المرعية واللازمة، والرجوع المستمر لنبع الإمامة الصافي واستقاء التعاليم منه، ومراجعة الأداء وتقويمه، وملاحظة مدى انطباقه مع هدي القرآن والعترة، ودراسة الأسباب التي تمكن من الوصول للحقيقة بشكل صحيح وسليم.
الالتزام
فليس التشيع مناسبات وقتية أو تطبيقات مزاجية، بل حالة وميزة أصيلة في السلوك والفعل، وملكة فعالة مسيطرة على الجوانح والجوارح، تستمد رقيها من التزامها بالدين وتطبيقها له، وفق أصول المذهب وتعاليمه، وهذا أمر صعب مستصعب!
لذلك كان الإمام يشتكي من قلة ناصريه كماً ونوعاً، فودّ أن يصرف معاوية أتباع علي (ع) بأتباعه ديناراً بدرهم، فيعطيه الإمام عشرة ويعطيه واحداً، لالتزامهم بباطلهم، وتخلي اتباعه عن حقهم!
5/ الوحدة
فالوحدة من أهم معطيات الإمامة وبواعثها: "وجعل إمامتنا أماناً من الفرقة..." من خطبة الزهراء (ع).
كما أن الفرقة من أهم أسباب الفشل الحضاري على مستوى الأمة والفرد، ولذلك ذم الإمام تفرق شيعته وأنصاره كثيراً، فليس ذات الحق متعدداً مع وجود الإمام أو وجود النص القطعي دلالة وسنداً، حتى نحتمل قراءة وموقف معذّر لهم!
بالتالي يجب علينا أن نوسع القراءة والتعامل مع المشتركات على صعيد الطائفة، وكذلك الأمة، ومصلحة الإسلام في ظل الحرب المعلنة والمستمرة عليه لا تتحمل الفرقة والاختلاف، بل تدعو إلى الوحدة والتقارب ما أمكن، وهذا ما يدعو إليه كل ذي عقل منصف.
- "أما والذي نفسي بيده، ليظهرنّ هؤلاء القوم عليكم; ليس لأنّهم أولى بالحقّ منكم، ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم، وإبطائكم عن حقّي".
- "هذا ما أوصي به عليّ بن أبي طالب ، أوصي أنّه يشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله... واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا، فإنّي سمعت رسول الله يقول: "صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام"، وأنّ المُبيرة الحالقة للدين فساد ذات البَيْن، ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهوّن الله عليكم الحساب".


واجبنا تجاه الإمام في ذكرى ولادته
إن فقدان هذه الأمور، لا يعني انتفاء ماهو واجب على المكلفين تجاه الإمام، ويتجسد ذلك في:
1- حسن القراءة لشخصيته وتعاليمه.
2- الاقتداء الصادق به.
3- التعريف بموقعيته في العقيدة وحياة الأمة.
4- طاعة القيادة الشرعية للأمة: وهي العترة الطاهرة، ومن بعدهم للعلماء المؤتمنون على حرامهم وحلالهم.

22‏/05‏/2009

مناشيء الانحراف السلوكي والعقائدي حسب الرؤية القرآنية

هذا تلخيص لكلمة ألقيتها حول "مناشيء الإنحراف السلوكي والعقائدي حسب الرؤية القرآنية"، في مجلس السيد الحاج حسين العبدالله النمر، وهذا مختصر لأهم وأبرز نقاطها:

مدخل
لا بد لنا من معرفة آلية التفاعل المؤدية للإنحراف، وهذا يحتّم علينا أن نتعرف على:
1/ الهوى: وهو الموجب الذاتي.
2/ الشيطان: وهو السالب الخارجي.
وبلقائهما يتم الانحراف، وتكون المغريات مصاديق الجذب ومورد التلاقي بينهما.

مناشيء الإنحراف

1/ القابلية الذاتية للانحراف
{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ابراهيم:22
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} الأعراف:175
{لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} الحج:53

2/ اتباع الهوى
وهو سبب أساس للانحطاط وعدم الرقي في السير الى الله: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} الأعراف:176

3/ ترك مرجعية الوحي والاحتكام للطاغوت
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً} النساء:60

4/ الغلو
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} المائدة:77

5/ الركون للدنيا
{الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ} ابراهيم:3

اتباع الهوى: معطيات ونتائج!

1/ صنمية الذات
والضلال بعد الهدى، ومع وجود العلم، إنما يكون كذلك لأن منشأ الإنحراف ذاتي مرتبط بالهوى، وليس مرتبطاً بمتعلق خارجي هو العلم: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (23) سورة الجاثية
{أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} الفرقان:43

2/ قساوة القلب
{فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} الأنعام:43

3/ انسداد مصادر المعرفة وضبابية الرؤية
{وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} الجاثية:23

4/ معصية الرسول
{فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} القصص:50
{وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} القصص:15

5/ الشرك
وهنا يبرز الرياء مصداقاً: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً} النساء:38
ويكون الشيطان الشريك الأمثل للمنحرف: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً} الاسراء:64

6/ ولاية الشيطان والطاغوت
{الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} النساء:76

7/ التبذير والترف والإسراف
لإن التبذير يعين الشيطان في كسر إرادة المؤمن، حين يعاين ما يراه من ترف المترفين وتنعمهم بالخيرات، مما يسبب افتتان المؤمن: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً} الاسراء:27

8/ الخذلان الدنيوي والأخروي
{لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً} الفرقان:29
{كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} الحشر:16

9/ نسيان الله
{اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} المجادلة:19

أسلحة الشيطان

1/ التزيين
وهو العامل المشترك في انحراف المجتمعات، وهو أعظم الأسلحة وأخطرها بسبب أن من يتبعها يعتقد أنه يحسن عملاً!
والتزيين هو: تجميل القبيح، وتحسين قبحه، عبر مغالطة المفاهيم، والخلط في المصاديق!
مثال: الغش والتدليس فهلوة وشطارة! والتفسخ الأخلاقي والكفر بالله والقيم حرية!
{وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الأنفال:48
{تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} النحل:63
{وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ} النمل:24
{وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} العنكبوت:38

2/ الوسواس والنزغ والخواطر الشيطانية
{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} الأعراف:200
(فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} الأعراف:20
{إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} المجادلة:10

3/ الفتنة
بإلباس الباطل لبوس الحق: {يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} الأعراف:27
{لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} الحج:53

4/ الوعد الكاذب والتمني الخادع
{يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً} النساء:120
{وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً} النساء:119

5/ الخداع والتزييف
{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة:275
{فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى} طه:120
{إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} محمد:25

6/ التخويف
بإثارة كل غرائز الخوف البشرية: الخوف من المجهول! الخوف من الموت! الخوف من ترك الملذات!
{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} آل عمران:175
{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} البقرة:268

7/ اللهو
{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} الأنعام:68

8/ التفرقة
{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} المائدة:91
{وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} يوسف:100

9/ التغرير
بتعظيم الذات والتركيز عليها، وأن الإنسان هو مصدر الطاقات وأساس الخيرات ومنه المنشأ وإليه المنتهى!
وعبر مداعبة ودغدغة غريزة حب الذات والبقاء:
{فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} الأعراف:22

10/ الإتباع الأعمى لنهج الآباء والأجداد
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} لقمان:21

سبل الوقاية

1/ إدمان الذكر بنوعيه الباطني والظاهري
{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} الأعراف:201
{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} الرعد:28
{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} البقرة:200

2/ تطهير المأكل والمشرب من المكسب الحرام
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} البقرة:168
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} المائدة:90
{وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} الأنعام:142

3/ الوحدة بين المؤمنين ومحاربة نزعات الفرقة
لأن الفتنة من أهم أبواب انحراف الأفراد والمجتمعات:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} البقرة:208
{وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً} الاسراء:53

4/ التمسك بهدي العترة الطاهرة (ع) عند الاختلاف في الرؤى والوقائع
{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً} النساء:83

5/ تذكر آلاء الله ونعمه وأداء واجب الشكر للمنعم
{فبأي آلاء ربكما تكذبان}.

6/ الاستعانة والاستعاذة بالله
{إياك نعبد وإياك نستعين}.
{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} فصلت:36

7/ الحذر الدائم من مكائد وخدع الشيطان
فالشيطان يؤمن بالتدرج ونصب الفخاخ في عقيدة الإنسان وعمله! وصبره طويل حتى آخر لحظة في عمر الإنسان! فهو لا ييأس ولا يمل!
فما أحرى أن يكون عباد الله المخلصين ممن يتصفون بذلك، ولكن على نحو الإيجاب! عبر طاعة الله وتعويد النفس على تحمل المشاق والدعوة إلى الله والثقة والأمل به، ولو إلى آخر رمق في الحياة:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} النور:21

9/ حسن تشخيص العدو ونصب العداوة له
بل والاستمرار في عداوته فهو لن يتركنا أبداً:
{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} فاطر:6
{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} يس:60
{وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} الزخرف:62

19‏/05‏/2009

الإنشاد الديني وموقعه في الحراك الاجتماعي والوعي الديني

هذه الكلمة ألقيت في مهرجان "ترانيم للإنشاد" في موسمه الثاني، في جزيرة تاروت بمحافظة القطيف، كلمة افتتاحية تحت عنوان " الإنشاد الديني وموقعه في الحراك الاجتماعي والوعي الديني" ضمّت نقاطاً مهمة، أُبرِزُ هنا أهمَّ ما ورد فيها:

مقدمة: تجذر وعراقة الإنشاد الديني عبر التاريخ
لقد مثّل الإنشاد الديني - عبر التاريخ - طقساً عبادياً، ومكوناً ثقافياً للامم السابقة، بل وحتى والمعاصرة منها.
وعلى سبيل المثال: فإن "الياذة هوميروس" عند اليونان، و "ملحمة قلقامش" عند الآشوريين، و "شاهنامة فردوسي" عند الفرس، و "تغريبة بني هلال" عند العرب، مما يمثل إما: طقساً عبادياً، أو رمزاً قوميا،ً أو أيقونة هوية، أو مكوناً فكرياً - وأحياناً عقائدياً - لهذه الأمم.
اما الديانة المسيحية فمن الجلي والواضح للعيان اعتمادها على الإنشاد كطقس ديني، بالغت في الاهتمام والعناية به، حتى سلكت بعض الكنائس والفرق المسيحية سلوكاً غير مألوف، بالخروج عن السمت اللائق بالإنشاد الديني، واقتبست أي لحن وكيفما كان إذا كان يؤدي إلى زيادة مرتاديها!
أما الإسلام فقد استخدم الإنشاد في أغراض محددة ووفق ضوابط معينة، مؤكداً على وظيفيته وأهميته، عبر ربط أقدس كتاب سماوي وهو "القرآن الكريم"، بـ"الترتيل" الذي هو أحد مصاديق الإنشاد حين قال في الآية الكريمة {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} من آية 4: سورة المزمل، نظراً لما يمثله الإنشاد من وسيلة معبّرة ومهمة في التأثير والإقناع للذات والآخر.
ولكن هذا لا يعني أنه لم يكن هناك خروج عن الأطر السليمة والواضحة عند بعض الفرق والمذاهب الإسلامية، التي ذهبت بعيداً في توظيف الإنشاد الديني بما أخرجه عن مساره!
فقد اقترن عند البعض بالمبالغة في الأسلوب! بمزجه مع الرقص الصوفي مثلاً! أو استخدام ألحان غير مناسبة! أو ألفاظ مغالية!
أو خرج عن أهدافه وأطره السليمة والمنشودة حين استعيض به عن العبادة والعمل الصالح عند البعض الآخر!
كما اعتبره فريق آخر أحد مصادر الإلهام والوحي العرفاني، كما هو حاصل أو ينسب لطريقة جلال الدين الرومي مثلاً!

أهداف الإنشاد كوسيلة وآلية:
مما لا شك فيه، أن الإنشاد إذا أحسن استخدامه وتطوير معطياته ومخرجاته، بما يحقق الأهداف المنشودة له، فإنه يكون ذا أثر بالغ وجوهري وحساس، وحريٌّ بنا هنا أن نسجل وندوّن بعض أهداف الإنشاد الديني، بما يؤطّره كوسيلة وأداة فعالة.

1/ بث روح الحماس في العمل والعطاء:
وكمثال: نبرز هنا موقف تشجيع رسول الله (ص) للصحابة أثناء حفر الخندق بإنشاده حين قال منشداً:
اللهم إن العيشَ عيش الآخرة *** فإغفر للأنصار والمهاجرة
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدا *** على الإسلام ما بقينا أبدا

2/ إبراز الفكرة أو المناسبة:
في تاريخ جميع الديانات والأمم، توجد دوماً مفاصل مهمة زماناً أو مكاناً أو موضوعاً، تشكل بوجودها وحضورها: ذاكرة الوعي، ومخزون الأصالة، وهوية التميز والاستقلال لها.
وكمثال على المفصل الزمني: تبرز مناسبة هجرة النبي (ص) للمدينة المنورة، فهما يمثلان – أي المدينة كمكان، والهجرة كتاريخ - مفصلاً زمانياً ومكانياً بين الحق والباطل
طلع البدر علينا *** من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا *** ما دعا لله داع
وكمثال على الموضوع: يبرز بوضوح عنصر إبراز مظلومية العترة كموضوع أساس ورئيس للبكاء والإبكاء والتباكي، بل وجعله أحد أهم مفردات الوعي الشيعي الأصيل.

3- إبراز الشخصيات النموذجية:
وباعتبار الشخصيات العظيمة في تاريخ الأمم عناصر تميز ورموز اقتداء، فإن القدوة والشخصية المميزة أحد عناصر وعي الأمة واستقامتها، ويتضح لنا من ذلك أهمية إبراز ذكرى مناسبات العترة الهادية (عليهم السلام) من ولادات ووفيات، ومناسبات عظماء الأمة من العلماء والمجاهدين، ويلعب عادة الإنشاد دوراً مهماً وفعالاً وناجحاً في هذا المجال، وقد أوصى الأئمة (عليهم السلام) بهذا الجانب عبر (إبراز) مظاهر الحزن والفرح: (شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا)، وفي محافل جماعية وعامة ما امكن كما ورد في الأثر عن العترة الهادية (عليهم السلام).

4- توصيل الفكرة والمعنى:
إذ يكتسب الإنشاد أهميته وموقعيته وجوهريته في الأدوات والأساليب التبليغية والإعلامية، من كونه عنصراً مهماً ومؤثراً في منظومة الإتصال والتواصل الفردي والجماهيري، فمتى ما كان الإنشاد متميزاً بالفكرة والمضمون، بليغاً في الأسلوب، مؤثراً في النتيجة، كان أكثر قرباً من الشرعية بل والاستحباب أيضاً، وكلما ابتعد عن ذلك فقد أساس شرعيته وتحوّل إلى مثبط للأمة وعنصر هدم ومعول فناءٍ لها.

5- بناء الرصيد والمخزون الوجداني والعاطفي لثقافة الأمة:
وقد تمت الإشارة إلى هذه النقطة في مقدمة الخطاب، فلا داعي للتكرار هنا أيضاً، إلا على نحو سرد المعطيات والأسباب. فكما يمثل الإنشاد الديني أحد مكونات الثقافة والهوية الفكرية والاجتماعية بل والوطنية أحياناً – إذ لكل دولة نشيد وطني -، فإن أي أمة تحتاج إلى رصيد ومخزون عاطفي ووجداني يثير في أبنائها النخوة والحمية والانتماء للقيم والرموز التي تشكلها تلك الأمة أو ذاك الوطن. ومن هنا فإن للإنشاد الديني دورٌ مهم وفعال في بناء هذا الرصيد والمخزون العاطفي في ثقافة الأمة!

الموقف من الإنشاد الديني:

1/ التفريط:
وهو موقفُ جمعٍ من المتزمتين، مما دعا "البوطي" و"الشوكاني" مثلاً لكتابة ردود مطولة تحت عنوان: (إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع)!

2/ الإفراط:
فقد كُتِبَ في معرض تبرير "التمايل والرقص" في الذكر عند "الصوفية": "وقد أورد "عبد الله بن عقبة" فى "مجمع الزائد" قائلاً: (كان اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتمايلون في الذكر! كما تمايلُ الريحُ الأشجارَ!).

3/ تأكيد أثر الأداء الصوتي ومدخليته في التبليغ الرسالي:
وهو الموقف الذي يقفه الإسلام دون إفراط وتفريط، حيث يؤكد على أهمية عنصر الإنشاد والأداء الصوتي، كوسائل وآليات تبليغ معتبرة ومهمة، منطلقاً من هذه النقاط:

أ/ الأثر الفعال للصوت في إيصال الفكرة:
فمن أهم مقومات الخطابة والتمثيل - باعتبارهما من أهم وسائل التواصل والإقناع والتأثير - يأتي الأداء الصوتي على رأس القائمة، لما له من تاثير جوهري في الإقناع والتلقين على المتلقي.
ولذلك فإذا أقترن الأداء الصوتي بمحسنات أخرى كأطوار الإنشاد، وبلاغة الكلمات، والاقتران النفسي بين العناصر المختلفة من طور ولحن وأداء وبين المناسبة الدينية كرمز، فإن هذا مما يعمق دور الصوت كأداة والإنشاد كأسلوب في توصيل الفكرة، وأعتقد أن ظاهرة ثقافة الرواديد وانتشارها الكبير، مما يؤكد هذا المعنى دون مزيد إسهاب في التعليق عليها والتأسيس لها.

ب/ اعتبار السماع أحد مصادر تلقي العلم والفكر والوعي
يشير القرآن الكريم في هذه الآية الكريمة: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} 36: سورة الإسراء، إلى حاسة السمع كأحد عناصر التلقي التي يحاسب الإنسان عليها حول المضامين التي أفرغت فيها! بل يصف القرآن حاسة السمع بأنها أحد منافذ الوعي الجوهرية {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} 12: سورة الحاقة! ولذلك فإن هذا الإبراز الجوهري لحاسة السمع يستلزم منا الإعداد المناسب الذي يغذي العقل والروح معاً، بالشكل والمضمون المناسبين.

ج/ التأكيد على أهمية التناسق بين عنصري اللفظ والصوت
فكما أن حرمة الغناء وتأثيمه مرتبط وناشيء من عنصري: اللفظ الفاحش، أو النغم المطرب!
فإن ثواب الإنشاد إذا أتقن تناغمه بين عنصر اللفظ المعبر والهادف والنغم المناسب والمؤثر، يكون بنفس القوة والإضطراد.
ولذلك وردت روايات عديدة عن المعصومين (عليهم السلام)، حول قراءة مصيبة الحسين (عليه السلام) بأطوار حزينة ومؤثرة (كطور أهل الرقة مثلاً)، كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) لمّا دخل عليه "هارون المكفوف", فقال (عليه السلام): أنشدني في جدي الحسين (عليه السلام)!
فأنشأ "هارون المكفوف" يقول:
أُمررْ على جدثِ الحسينِ *** وقُـــلْ لأعظمِــهِ الزكيــة
فبكى الصادق (عليه السلام) وقال: أنشدني كما تنشدون بالرقة فقال:
يا مريم نوحي على مولاك *** وعلى الحسين ألا أسعدي ببكاك
فصاحت ابنة الصادق (عليه السلام): واجداه! واحسيناه!

العقلانية وفق الرؤية القرآنية وتجلياتها الواقعية

ضمن فعاليات الملتقى القرآني في دورته السادسة والذي عقد في حسينية آل رميح في سيهات يوم الخميس 17رمضان 1429 هـ
شاركت بورقة البحث التالية، راجياً أن تقع موقع القبول عند الله تعالى، وموقع الفائدة للقراء والمتابعين الكرام

مقدمة أولية حول المصطلح
مع أن البحث يتطرق للتجليات الواقعية للعقلانية في حياة الأمة حسب الرؤية القرآنية، وهذا يفترض ضمناً ما أمكن، تعاطي العقلانية في أبعادها وتجلياتها العملية، إلا أن تنقيح المصطلح ضرورة أساسية للولوج في الموضوع الأساس
إذ يحتل التعريف والمفهوم أولوية قصوى يرتكز عليها حجر الزاوية في تعاطي تجلياتها ما لم تتضح صورة أساسية للمفهوم، كي نتتبع تجلياته ومعطياته، ولا أخالني بحاجة إلى مزيد تبرير في أهمية تعاطي المصطلح وتنقيحه وفق الرؤية المراد بحثها هنا، تمييزاً للعقلانية المقصود تعاطيها وتتبعها قرآنياً، وتركيزاً للجهود في تنقيح بحوثها الأساسية بما يخدم هدف الندوة، وأعتذر مقدماً عن أي إطالة غير مقصودة أو إسهاب معترض قد تتطلبه هذه النقطة على حساب التناول المباشر لتجلياتها الواقعية في الأمة

العقلانية بين المماحكات الفلسفية والتجليات الواقعية
تعرض مفهوم العقلانية لمنازعات عديدة من قبل جميع المدارس و التيارات الفكرية والعقائدية، بل تعرض للمصادرة والأدلجة المذهبية والعقائدية، ولذلك تعددت تعريفاته وفقاً لرؤية كل مدرسة ومفكر، فمنهم من عرّفه بدوره المعرفي الأساسي وكان التمايز في هذا المستوى من التعريف والتبني له هو: هل العقلانية طريق أوحد للمعرفة أم طريق أساس وأول لها؟
كما تم تناول العقلانية في بعض التعريفات كمحدد ومؤطر معرفي، يضم نسقاً معرفياً يفرز صوره المانعة والجامعة.
وتناولها طرف آخر من زاوية: هل أن العقلانية آلية للمعرفة تساهم في توليدها وتكاثرها(1)، أم معيار فارز لها، بحيث يصح نسبته كمحدد لأنواع ومجالات مختلفة وبذا تشترك في التصور السابق كمحدد ومؤطر؟
وفي التصور المطروح للعقلانية كآلية معرفية يتغلغل سؤال مهم يطرح نفسه وهو: هل أن العقلانية وسيط معالج يساهم بالإضافة إلى وسائط أخرى في معالجة المعطيات وتدقيق النظريات؟ أم مؤسس مؤصل وطريق مستقل للمعرفة يمكن التعويل عليه مفرداً بحيث يكون أصلاً أساسياً بغض النظر عن كونه طريق أوحد أم بضميمة غيره من الأصول والآليات المعرفية الأخرى كالوحي والتجربة والحدس؟
كما تناول بعض الفلاسفة مصطلح العقلانية من زاوية الشمولية سعة وضيقاً، وهل أنها شاملة أم نسبية(2)؟
وتفنن الكثيرون في دراسة مصطلحاتها المتعددة، بحيث أصبح لكل مجال وعلم عقلانيته المرجعية والخاصة به كما سيأتي لاحقاً!
ونظراً لتعقيد هذا البحث من جهة الطرح المقارن مع النظريات الفلسفية الأخرى(3)، ولاختلاف زوايا التعاطي مع التعريف حسب المجال المخصوص، مما يخل بالاختصار المطلوب في هذا البحث المعنون، فإن تناول المصطلح من جانبي سيكون في استقراء معانيه وتجلياته في جانبه العملي في واقع الأمة وفق الرؤية القرآنية.

مكانة ودور العقل في القرآن
من الظلم بمكان، وصف العقل كمصدر للفاعلية، والعقلانية كنتاج عقلي، كندٍّ للدين والقرآن، أو حتى كقسيم لهما!
إذ يحرّض القرآن دوماً على تفعيل العقل وقواه الكامنة في موارد مختلفة وعديدة، ضمن سياقات تبرز جزءً من مجالاته الحيوية وبعضاً من مقاصده الكلية، وبذلك تنتفي العداوة والتضاد المزعوم بين العقل والدين وبين النص والتعقل.
كما أن العقل وفق تعريفه القرآني الذي يتناوله كطاقة وفاعلية ولم يتناوله كمادة مجردة أو جسم أصم، أوضح بأن العقل آلة معرفية ناتجها العلم والحكمة والإدراك المعرفي، وأن منظومة المناهج والقيم والأطر المنتجة لذلك هي ما يسمى اصطلاحاً ب"العقلانية". وأن هذا النشاط الفكري والعقلي هو المقصود والمستهدف من عرض الآيات الكونية والقرآنية واستعراض الأدلة والبراهين، إذ به تقام الحجة ويدرك المطلوب.
ولكي نتعرّف على العقلانية في القرآن في بعدها العملي، أي وفق مفهوم الفعل والدور والحاجة، نحتاج إلى تتبع واستقراء الموارد القرآنية للعقلانية، أو ما أسميه بلحظة الوعي و ذروة المعرفة الكاشفة عن الحقيقة في جوهرها الأصفى، وفق المقاصد الكلية للشريعة والمرادات العليا للقرآن الكريم.
عند تتبع الموارد التي طلب القرآن فيها تفعيل العقل لإدراك ملازمات أو مشتركات معرفية، سنجدها تتموضع في محاور محددة، ذكر بعضاُ منها الباحث الدكتور جعفر إدريس نقتبس منها وبتصرف على نحو الإجمال والاختصار، وعلى سبيل ذكر الشاهد فقط:
1 -فهم الكلام: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) يوسف:2.
2 -عدم التناقض في القول: (يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) آل عمران:65
3 -فهم الحجج والبراهين: (ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) الروم:28
4 -موافقة القول للعمل: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) البقرة:44
5 - اختيار النافع وترك الضار سواء كان مادياً أو معنوياً: (وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) الأنعام:32
6 - التضحية بالمصلحة القليلة العاجلة من أجل مصلحة كبيرة آجلة: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) القصص:60
7 - استخلاص العبر الصحيحة من الحوادث والتاريخ: (وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) العنكبوت:35. (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ القُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) يوسف:109.
8 -فَهْم دلالات الآيات الكونية: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الَليْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) البقرة:164. (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) النحل:12
10 - حسن معاملة الناس ولا سيما الأنبياء: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) الحجرات:4." انتهى الاقتباس بتصرف[4].

هل بالعقل وحده يحيا الإنسان؟ وهل يعصمه من الخطأ؟
وقد يرد سؤال يلحٌّ علينا بالإجابة ها هنا، بعد أن تعرفنا على ملامح موجزة ومختصرة على العقلانية كفاعلية أساسية تؤسس لرشد الإنسان وتكامله، وهو : هل بالعقل وحده يحيا الإنسان؟
وهل وجود العقل لوحده كافٍ في تجنبه للخطأ؟
أم أن هناك مسببات أخرى للخطأ تتجاوز دور العقل، بل قد تساهم في توجيهه إلى مقدمات ونتائج خاطئة بالضرورة، كما يبيّن قوله تعالى: (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ) البقرة: 7؟
أو كما يشير إليه قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ) سورة البقرة: 93؟
تبيّن هذه الآية الكريمة التالية بوضوح كما تبيّن سابقتها عدم كفاية وجود هذه الإمكانية والفاعلية رغم وجودها الظاهري وفاعليتها الشكلية، ما لم تتوافر عناصر أخرى تتضمن التوفيق الإلهي كقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ) الأعراف: 100
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ) الأنعام: 46
فلا بد من ارتفاع الحواجز والموانع النفسية وغيرها من المؤثرات التي تؤثر في عمل العقل وفاعليته بشكل صحيح! حيث تبرز هذه الآية الكريمة عدم كفاية وجود الفاعلية بالقوة دون الفعل، وهذا يؤكد وجود مؤثرات وموانع تحول دون تحقق الفاعلية خارجاً، أو تؤثر في مسارها ونتيجتها النهائية: (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً) النساء:155
ولو لاحظنا القرآن الكريم في تعبيره عن القوة الفاعلة في توجيه الإنسان، بدءً من جهات الاستقبال والتلقي لديه، ومروراً بمكامن معالجة المعلومة والفكرة ومصادر اتخاذ القرار عنده، وانتهاءً بالمخرجات النهائية من سلوك أو معرفة، فإن القرآن لا يقتصر على وصف القوة المفكرة بالعقل تحديداً فقط! ولا يقتصر على وصف الفاعلية أو الفعالية بالتعقل أيضاً!
ويضرب القرآن مثالاً حول أحد الأسباب يتعلق بالمصداقية كمؤثر أساس في إعاقة دور العقل في الرشد والتكامل، بل تحوّله إلى معول هدم وأداة إفساد: (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) المائدة:13، فكان التعبير عن قساوة القلب كمحرض ودافع للتحريف والانحراف، مع أن تحريف الكلم عن مواضعه هو مهمة عقلية في الأساس والصيرورة! ومع ذلك عبّر عن القلب كمؤثر فعال وجهة تمارس دوراً هاماً في التوجيه على مستوى الباعث والحافز والموجه.
وهنا يعبر القرآن عن القلب كمصدر للتفقه مع أن وظيفة التفقه منوطة بالعقل اختصاصاً، حيث يتعلق به التكليف وتناط عليه المسؤولية: (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) الأنعام:25
وقال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) الأعراف: 179
ويبرز القرآن النفاق كعلة داخلية أخرى، تؤثر على فاعلية العقل، وتساهم في انحراف بوصلته من الصلاح إلى الإفساد، ومن الإدراك إلى التضليل، ومن محاسبة النفس إلى خداعها والتغرير بها، فيقول تعالى: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الأنفال: 49
ويبرز مصطلح الطبع على القلوب في القرآن، كسبب رئيس من أسباب انعدام القابلية الذاتية للتفقه، مع أن وظيفة التفقه ودوره عقلي ظاهرياً، وهنا نقرأ سلوكاً خارجياً كان له دوره النفسي في تبرير المخالفة للحق واستمراء التبرير المخادع حتى يتحول إلى حقيقة فاسدة عند المنافق طلباً لأنانيته وسلامته: (رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ) التوبة: 87، ومن هنا قد تتضح علة تأثيره على العقل وانتزاع دور العقل القيادي والريادي ليكون تابعاً للهوى والشهوة وصنمية الأسلاف والأجداد!
واختصاراً للمطلب هنا، يتضح لنا أن العقل كي يستكمل فاعليته ودوره، لا بد من صيانته من مؤثرات خارجية وداخلية عديدة، منها: النفاق وحب الذات واتباع الهوى والشهوات، بل قد تكون نتيجة تمكّن أحد مصاديق هذه العناوين الإجمالية كافٍ في تحجيم دور العقل بل وتجميده وضموره حتى يكاد يصل إلى مرتبة العدم إن لم يصلها فعلاً، فتصبح غريزة حب البقاء كأحد مصاديق حب الذات كافية في تعطيل دور العقل وانحراف مساره، بحيث يؤدي إلى هلاك أمة وتدمير مستقبلها إن كان هذا الفرد يحتل موقعاً قيادياً فيها.


العقلانية القرآنية في بعدها العملي في البحث المعرفي

الطرح البرهاني المعتمد على المشترك المعرفي الإنساني من الضروريات العقلية
اعتمد القرآن الكريم على الطرح البرهاني المعتمد على المشترك المعرفي الإنساني، مهما اختلفت أنساقه المعرفية ومحاضنه الفكرية وبيئاته العقائدية، سواء كانت ضروريات عقلية، بديهية أو فطرية، أم نظرية تنتهي إلى الضروريات(5).
ولذلك كانت العقلانية القرآنية في البحث المعرفي والاستدلال المنطقي أقوى وأسرع تأثيراً في المتلقي، حتى وصف تأثيرها السريع والفعّال بالسحر، فقال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ) سبأ:43
وقال تعالى: (وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ) الزخرف:30
وقال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) الأحقاف:7

ثنائية النص والشارح التكاملية في تعيين الدليل والدلالة
قال الله عز وجل في بيان كتابه الحكيم: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ) آل عمران:7
ضمن سعي القرآن المحكم في تكامل الحجة والبينة على البشر، كان لا بد أن تحظى الثنائية التكاملية وهي هنا (النص والشارح) بأهمية قصوى، وباعتبار أن النص يراعي متطلبات التعبير عن مضامين الرسالة بمختلف نواحيها وأبعادها، مما يتطلب وجود شارح ومفسر للمصاديق والتفسيرات الواقعية لها، بعيداً عن التأويلات المتكلفة، أو التوهمات المتنطعة، أو التضارب والتعارض في التخمينات والاستنتاجات في معرفة المقاصد والمرادات والمآلات والصيرورات النهائية لمضامين النص وتجلياته ومعانيه.
لذلك كان دور الرسل في المجتمع، ودور الأوصياء من بعدهم، هو توضيح وتعيين هذه الدلالات، بشكل صريح وواضح، يراعي الزمان والمكان والموضوع، فلعلة قابلية النص لتعدد القراءات، كان لزاماً أن تتوافر قراءة صحيحة رشيدة وراشدة ومرشدة، تعبر عن جوهر النص وحقيقته ومكنوناته، وتنزله تطبيقياً في موارده المخصصة له، واستعمالاته المعبرة عنه، لتكون خير شارح وموضّح في تحديد المراد والمعنى، بما يناسب المعنى الصائب والأصيل للنص من جهة، وتعيّن دلالته خارجياً بما يرفع اللبس والوهم والشطط.
فقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) إبراهيم:4.
وقال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل: 44.
وقال تعالى: (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) النحل: 64.
فكان البيان والتبيين، من الرسول، وبلسان قومه، ليحدد وبوضوح تام تنجز التكليف في عهدة وربقة المكلف، وتحميله المسؤولية التامة حراً مختاراً نتيجة اختياره الضلالة أو الهدى.

الانفتاح على الكتاب الكوني
من أبرز سمات الوحي القرآني اهتمامه البالغ بالانفتاح على الآيات والمعطيات الكونية، فكانت هناك السور المعنونة بأجزاء الوقت مثل: "الليل" و "الفجر"، والقسم القرآني بوحدات الزمن، كما تكاثرات الآيات الداعية والمحرصة على تصفح الكتاب الكوني مثل هذه الآية الكريمة: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) فصلت:53، في دلالة ولا أوضح على ترابط الآيات الكونية والقرآنية في الدلالة على الخالق وعظمته، وكيف يكون هذا النظام الكوني البديع بهندسته الرائعة والفريدة خير دليل على الإمكانيات المكتنزة فيه لخدمة الإنسان وعظمة الخالق في آنٍ واحد.

الحكمة جوهر الرؤية القرآنية للحياة
لقد كانت الحكمة في القرآن بمضمونها من الرشد العملي والفكري، من صميم مكونات العقلانية القرآنية، إذ اعتبرها القرآن جوهر الرؤية القرآنية للحياة، والناتج الأهم للبنيان المعرفي الرسالي، حيث كانت الحكمة ناتج تلك البينات الرسالية التي يمكنها لعب دور المبين والموضّح والفارز للصواب من الخطأ، مما يحتم إلزامية إتقاء موارد الضلال والخطأ عبر تقوى الله، وحيازة الحكمة الإلهية بما تشكله من رؤية ثاقبة وبصيرة نافذة لحقائق الأمور. فقال تعالى: (وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) الزخرف:63
ومن الواضح للعيان تلمس هذه الثنائية المتكررة في الآيات الكريمة بين الكتاب والبينات من جهة والحكمة من جهة أخرى، لتعطي ملمحاً مهماً من ملامح الثنائيات التكاملية الكثيرة في القرآن الكريم، ولتبين الحكمة كناتج مهم بل قد يكون الأهم للبنيان المعرفي الرسالي، بل رديفاً للكتاب بمعنى رقي الرؤية الفكرية وحسن التطبيق العملي للرسالة، وتشهد بذلك الآيات الكثيرة حول الحكمة كمدد معرفي غيبي إلهي للرسل والأنبياء، وهدفٍ مرصودٍ من بعث الأنبياء والرسل، فقال تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) البقرة:129
وقال تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ) البقرة:151
وقال تعالى: (وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) البقرة:231
ومن هنا اتخذت الحكمة مكانتها كأحد أهم معايير التفضيل والتفاضل الإنساني. ولصعوبة استحقاقاتها ولوزامها، وأهمية موقعها ودورها، فإنها تحتاج إلى: اصطفاء رباني، واستعداد ذاتي يعتمد على تفعيل العقل وتنقية اللب، قال تعالى: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ) البقرة:269
وقد رافقت الحكمة الجهد البشري بدءً من تحصيل المعرفة الإلهية وتمييز الحقيقة، وصولاً إلى نشر المعرفة الإلهية وتبليغها والدعوة إليها، فكانت لازمة أخرى من لوازم الثنائيات التكاملية مع الموعظة الحسنة، كصنوان أساسيان في مقومات الدعوة إلى الله: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل:125


العقلانية القرآنية في بعدها العملي في الطرح والعلاج الاجتماعي

الدعوة إلى التخصص
حرص القرآن على إعلاء قيمة التخصص، كمدخل أساسي لإتقان لعلم والعمل، ولذلك فإن التعامل مع المستجدات من الإشكاليات الحياتية المختلفة بحاجة إلى توافر مقومات أساسية في الجهات المنوط بها اتخاذ الموقف العام، بحيث تكون ذات اختصاص مناسب وإطلاع كاف، لذلك قال تعالى: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً). النساء:83
وأمر القرآن الكريم الجاهل بالرجوع للعالم، وأعلى من قيمة العلم والفكر والذكر، واختصاص أهل العلم بالمرجعية الفكرية والعلمية، مع الحرص المستمر على توافر الارتباط المستمر بين أهل العلم والذكر وبين المنابع الأصيلة والنقية للوحي الإلهي، المتمثل بالكتاب والسنة المشرفة وتراث العترة الطاهرة، فقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ). النحل:43
ومن هنا أعطى القرآن الكريم العلم مكانته المتألقة والمتميزة، فجعله أحد المعايير التفاضلية والتكاملية أيضاً، مضافاً إلى عناصر أخرى، جميعها اشتركت في كونها اكتسابية وليست قهرية، مع توافر عنصر التوفيق والاصطفاء الإلهي أيضاً، فقال تعالى في مدح المؤمن العالم العابد: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) الزمر:9

التبيّن والتثبّت
من أخطر المزالق المصيرية والمنعطفات الحساسة في وجود الأمة والفرد، هو كيفية التعامل مع المواقف المختلفة، خصوصاً إذا اشتبهت الأمور، وأصبح من الصعوبة بمكان تحديد وجوه الخطأ من الصواب، أو التبس الحق بالباطل نتيجة تداخل غير مقصود أو تدليس متعمد أو إخبار وإعلام مضلل!
لذلك كان عنصر التثبت والتبيّن من أهم عناصر الثقافة القرآنية، بحيث يرتفع الإكراه والفرض الأحادي للرأي من جهة، عبر وضوح المنهج القرآني في عرض الأدلة والبراهين، واعتماد البرهان العقلي والاختيار النفسي كأساس وركن ركين في تحمل المسؤولية النهائية للإنسان في اعتناق أفكاره ومعتقداته!
فقال تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) البقرة :256.
وقال تعالى أيضاً: (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ). النحل:39
بل جعل التبيّن والتثبت أساساً في التعامل الاجتماعي خصوصاً في مراحل المواجهة واتخاذ مواقف المفاصلة الاجتماعية والعقائدية، والانتباه إلى مزالق الهوى والشهوات والغلبة والتبريرات والتأويلات الفاسدة الخادعة التي قد تنزع ربقة الإيمان عن الآخر تمهيداً لشن المواقف السلبية تجاهه، دون إطلاع واعٍ على رأيه، وإحاطة مناسبة بحجته وبرهانه، ومراعاة لظروفه وخصوصياته التي قد تؤثر في نهاية الأمر على مجمل التصور النهائي المراد بناء موقف محدد من الآخر وفقاً له، خصوصاً إذا كانت هذه التبريرات مغلفة بالنوايا الحسنة والشعارات المقدسة كنصرة الدين أو الدفاع عن المذهب أو الحرص على مقدسات المجتمع!
فقال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً). النساء:94
واهتم القرآن بنقاء قنوات التحصيل المعرفي والتبليغ العلمي والإعلامي، فجعل الوثاقة والمصداقية عنصراً أساسياً ومهماً، يرتكز عليه مبدأ القبول والرفض، مسدداً ومؤيداً بالدراية المناسبة للمضمون وتوافقه مع الواقع ومضمون الخبر، بحيث ترتفع الموانع الذاتية من تصديق الخبر، لعلة في الناقل أو تضارب وتهافت في معطيات النص، لا تنسجم مع العقل أو يبرز منها ملامح الكذب والخداع، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات : 6]
ولإبراز أهمية عنصر التثبت والتبيّن اشترط فقهاء الإمامية في حكم الردة توفر العلم المسبق عند المنكر لضروري من ضروريات الدين، بتلازم إنكاره هذا الضروري من ضروريات الدين بإنكاره وتكذيبه لرسالة المرسل، وبالتالي تكذيبه لله عز وجل، ولذا كانت مشاقة الرسول بعد "تبيّن الهدى" موجباً للخروج عن ملة الإسلام ومستحقاً ومستوجباً للعذاب الأليم لارتفاع شبهة الجهل أو الغرر، فقال نعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} (115) سورة النساء

الشمولية والإحاطة
إن الرؤية القرآنية في التعامل مع الشأن الاجتماعي، مؤسسة على الإحاطة والشمولية لكل العناصر المؤثرة والفاعلة في معادلة الفعل الاجتماعي.
ولذلك تميزت التشريعات القرآنية في منظومتها الفكرية باحتوائها على بعدين أساسيين: الأحكام والقيم. حيث تمثل الأحكام الشرعية البنية التنظيمية الأساسية، وتوفر الحد المطلوب من منظومة الحقوق والواجبات المتبادلة، وتكمل القيم الجانب الآخر من الرؤية حيث تلعب دور الإطار والمقصد لهذه الأحكام، فيكون للعدل والرفق والمساواة وغيرها من القيم الإطار المقاصدي والثقل المعنوي لمنظومة الأحكام من حقوق وواجبات، حيث لا يمكن للأحكام الشرعية أن تلعب دور الحارس الآلي في منع إساءة استخدام الحق والواجب الشرعي للإضرار بالغير دون بينات خارجية واضحة ومحكمة، فيكون لمنظومة القيم هذا الدور الأساس في تربية النفس وتزكية الفؤاد وتأطير الأحكام الشرعية في حال إثبات سوء الاستفادة من الحقوق والواجبات الشرعية بقصد الإضرار والتعدي.
إن استعراض الجوانب الشمولية في التشريعات الإسلامية واسع وغزير، ويمكن تلمسه في أي دراسة فقهية استدلالية، حيث يبرز بوضوح الحذر التام في التعامل مع كل مصادر الحكم الشرعي وجهات الدلالة المحتملة للنص والاحتياط الواعي في التطبيق.
كما أن التدبر الرصين في الآيات القرآنية خصوصاً فيما يتعلق في البعد الاجتماعي يلاحظ هذه الشمولية والإحاطة في موارد عديدة حيث تشير الآيات الكريمة في تضاعيف مفرداتها بعضاً من علل الأحكام وأسرار التشريع، في إضاءات ولا أروع أو أجمل، تبين عظمة القرآن الكريم وما يدعو له من إعمال للعقل في تدبر الآيات والمعارف القرآنية الفذة.

الواقعية والتناغم
إن العقلانية القرآنية تستشرف أهمية التناغم والانسجام بين الرسول والرسالة من جهة، وأهمية تمثيل هذا الرسول لواقعه وإحاطته به بحيث يكون جديراً بالاصطفاء لتكامل خصائصه من جهة أخرى، لذلك تكتسب أهمية التناغم بين الرسول وخصائص مجتمعه أولوية واضحة وبارزة عبّر عنها القرآن بكل وضوح حيث قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) إبراهيم:4، فجعل توافق اللسان واللغة المعبرة عن مضامين الرسالة والناقلة لمكنوناتها أمراً يحتل مرتبة الصدارة، بحيث يرتفع حاجز التواصل بين الرسالة والمجتمع.
بل يصرّ القرآن في تعاطيه في سجاله مع الكفار حول الشخصية الرسالية التي يمثلها الأنبياء والرسل، أن تكون متناغمة واقعية تعبر بحق وبصدق عن تناغم الرسول مع مجتمعه حتى في الشكل الخارجي واللباس المظهري، فأصرّ على هذا المعنى حتى في الفرض التصوري، فقال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} (9) سورة الأنعام!
كلّ ذلك تدعيماً للواقعية المفترضة والتناغم المطلوب بين الرسول والمجتمع، كي يرتفع حاجز اللغة والشكل والمظهر والانتماء وواقعية الامتثال، سداً لتبريرات التواكل والتخاذل من جهة، وإلزاماً عقلياً وذوقياً بواقعية الرسالة وقابليتها للتطبيق والامتثال عند البشر.
ومهما حاول أهل التضليل والخداع دغدغة النقص البشري، بالمطالبة بالشخصية الرسالية الافتراضية الخارقة تمهيداً للاحتجاج بتغاير الجنس أو الخصوصية الذاتية للرسول، فإن القرآن الكريم يركز على الواقعية والتناغم، بل ويعتبره حجة على الطرف الآخر، عارضاً هذه الحجة التضليلية كعلة مانعة يشترك فيها أهل الكفر والشرك، تبيّن أحد طرق خداع النفس الشهيرة التي يدمن عليها الإنسان، لرفع عبء المسؤولية الذاتية عن كاهله!
فقال تعالى: (فقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) هود:27
وقال تعالى: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَراً رَّسُولاً) الإسراء:94


مستلزمات الوعي القادر على تفعيل العقلانية القرآنية في الواقع المعاش
لقد اخترت هنا تعبير العقلانية القرآنية لتمييزها عن التعريفات المختلفة للعقلانية المتصادمة مع النص المقدس، وتأطيراً لمفهوم العقلانية كنشاط عقلي وطاقة وفاعلية ذهنية يحرص القرآن على تفعيلها في سياقات وأطر معرفية، تساهم في الوصول للحقيقة الإلهية المنشودة، وهي معرفة الخالق عز وجل، عبر المرور بمعرفة الحجة والإمام، ومعرفة النفس.
وما تقدم ذكره من تجليات للعقلانية القرآنية كتطبيقات سلوكية أو معرفية، منطلق من هذا الإطار للتعريف بمصطلح العقلانية القرآنية كما أراه حسب فهمي القاصر، مستلهماً النصوص القرآنية كمرشد وموجه للتعرف على مصاديق وفعاليات العقلانية القرآنية كنشاط وفاعلية كما سبق ذكره.

محورية دور الطليعة الرسالية في تأسيس الوعي
تلعب الطليعة الرسالية عبر التاريخ دوراً مفصلياً في تأسيس الوعي وتعميق حضوره في مستوى الذهنية والسلوك الفردي والاجتماعي في واقع الأمة.
ومن هنا أولى الأئمة عليهم السلام الطليعة الرسالية من أنصارهم عناية خاصة ومتميزة، فتعاهدوهم بتربية فكرية وروحية خاصة ومتميزة، تساهم في نشر الوعي وتنمية الفكر ورقي المجتمع، في جميع المجالات المختلفة، حيث برز من أصحاب الأئمة المبرزون في مجالات المعرفة العلمية بمختلف أشكالها ومجالاتها وتخصصاتها، كما ضرب هؤلاء الأنصار والأصحاب أروع الصور وأنبلها في مواقف التضحية والفداء، وأدوا دورهم بأفضل ما هو متاح وممكن في حدود الطاقة البشرية المتاحة والقابلية الذاتية مع تفاوت مصاديقها قوة وتأثيرا حسب ما حباهم الله من إمكانيات.
من هنا فإن دور النخب المثقفة والطليعة الرسالية هو في تعميق الوعي كناتج معرفي وسلوكي أصيل للعقلانية القرآنية في فكر وضمير المجتمع، والتخلي عن السلبية والانهزامية والاتكالية في ممارسة دورهم المنوط بها، على أساس التناغم والتكامل مع الشرائح الاجتماعية والدينية الأخرى، وليس على أساس مشروع التصادم المهدر للطاقات والباحث عن النزاعات واختلاق الفجوات والجفوات!
وبإمكاننا أن نضرب مثالاً هنا بالواقع المعاش في لبنان وإيران وماليزيا كنماذج من الشعوب الإسلامية، كيف كان للنخبة المثقفة والطليعة الرسالية وفق مشروع التكامل والتلاقي مع مكونات القوة في المجتمع، من إرساء دعائم ثابتة وقوي لوعي أصيل راسخ، ساهم في انتصارات سياسية وعسكرية وعلمية واقتصادية عديدة، لم تكن لتتحقق لولا إدراك الطليعة الرسالية لدورها المنوط بها، وتحديد سلم أولوياتها بما يناسب الواقع المعاش، ويخدم الأهداف الأساسية لرقي وتطور المجتمع، والذي يلعب الوعي دوراً أصيلاً في قوته ومناعته ووصوله لأهدافه المنشودة.

الفهم الصحيح والمسح الشامل لمعطيات الواقع
في العلم التجريبي تتم دراسة المعطيات وفق قانون الثوابت والمتغيرات، مع متابعة دور وحجم هذا العنصر أو ذاك في أي عملية تفاعل وما هي نتائجه مع تقنين مبرمج للكمية والزمان والمكان والتركيبة المنشود تجربتها واستخلاص النتائج منها.
ولكي نحقق الوعي في أعلى مجالاته، لا بد لنا من مسح شامل وفهم صحيح لمعطيات الواقع، مع مراعاة ومتابعة الثوابت والمتغيرات لكل مرحلة بدقة وعناية، ومدى تأثير أي عنصر داخلي أو خارجي على معادلة التفاعل الاجتماعي في مسار التوعية والتثقيف في مختلف المجالات.
ولقد كان للقرآن الكريم دور في تنبيهنا إلى أهمية هذا النوع من الفهم والتتبع عبر إرشادنا إلى معادلة المتغيرات والثوابت، وقوانين الاستنباط والاستنتاج، وتتبع العلاقات التفاعلية بين المكونات، على صعيد الإشارات العلمية المادية كما يحصل في إشارته إلى بعض القوانين العلمية الطبيعية، أو على صعيد الإشارات العلمية العقلية التي تربط الأسباب بالنتائج والحقائق والمبادئ والبديهيات بلوازمها الذاتية التي لا تنفك عنها.
من هنا فإن أي جهد للتوعية لا يأخذ بعين الاعتبار الفهم الصحيح والمسح الشامل للواقع، سيكون قد أضاع طريقه، واستهلك الكثير من طاقاته، وقد تنحرف بوصلته في تحديد الأولويات، مما يساهم في تأخر المجتمع وتخلفه بدلاً من توعيته وتنميته.

استقراء المآلات والصيرورات
في علم الجريمة والبحث الجنائي هناك مبدأ رئيسي يسلكه جميع المحققون، وهو: البحث عن المستفيد أولاً!
والقرآن الكريم في نصوصه العديدة، المباشرة والمجازية، يدعو دوماً للتدبر، الذي يعني فيما يعنيه تتبع سيناريوهات المستقبل وفق معطيات الحاضر، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} محمد:24.
بل كان التدبر أحد معايير التفحص والتوثق كقوله تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) النساء:82، حيث يشير النص بكل صراحة إلى تتبع المسارات الذهنية للتحليل المنطقي، للتأكد من جودة وصحة المعطيات النهائية، ووحدة المصدر تدل عليها بوضوح وحدة النتائج!
إن ضعف الحاسة التنبؤية في المجتمع الإسلامي، الناتج عن ندرة البحوث والدراسات والاهتمامات المستقبلية، والتخطيط المدروس والمتقن والواقعي لها، ساهم في تخبط الحالة الفكرية والاجتماعية المعاشة، حيث أصبح جل الجهد والعطاء المبذول هو ردود أفعال، تقتصر على التنديد أو اتخاذ موقفٍ سلبيٍ أو متفرجٍ لضعف القدرة على التأثير، أو فقدان وانعدام القدرة على التوقع بأي شكل من الأشكال على مستوى الفعل!
بل حتى ردود الأفعال كثيراً ما فاجئت المتتبعين والمهتمين، وذلك للقصور المستمر الناتج عن التقصير المتواصل في الاهتمام بالدراسات المستقبلية، فأصبحنا ككرة يتقاذفها موج الأحداث والتفاعلات الاجتماعية، دون امتلاك القدرة على امتلاك وقت مستقطع لالتقاط الأنفاس وتصفية الذهن وإعداد الخطط المناسبة لرد الفعل في حده الأدنى.

إدراك الثنائيات التكاملية في القرآن ضرورة معرفية
يزخر القرآن الكريم بالكثير من الثنائيات التكاملية، التي تشكل بمجموعها نمطاً سلوكياً ونسقاً معرفياً، مرتبطان ببعضهما البعض في صميم نواتهما الذاتية، فلا يمكن التفكيك بينهما، أو تخيل وجود أحدهما دون الآخر، لأنه متجذر في عمق وجوده، ويشكل النصف الآخر من المعادلة أو حسب التعبير الأدبي المجازي: الوجه الآخر للعملة!
ولا يمكن أبداً إحراز حل المعادلة الوجودية والإشكالية الأخلاقية بدون توافر العناصر الأساسية والتي تشكل بمجموعها أكسير وترياق المشكلة الإنسانية المؤرقة للضمير والعقل.
وتنقسم الثنائيات القرآنية إلى نوعين:
ثنائيات تكاملية إيجابية.
وثنائيات تسافلية سلبية.
ومن نماذج الثنائية الإيجابية، مع ترك مهمة التدبر في وجوه الترابط ووشائج التداخل للقارئ الكريم والمتابع الحصيف ليطلق أعنة ذهنه في تتبعها واستقرائها:
ثنائية العلم والعمل الصالح: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (3) سورة العصر
{وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (57) سورة آل عمران
ثنائية الكتاب والعترة: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (213) سورة البقرة
{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} (105) سورة النساء
{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (55) سورة المائدة
ثنائية الشاهد والشهيد:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (143) سورة البقرة
ثنائية الصلاة والزكاة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (277) سورة البقرة
{وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ} (43) سورة البقرة
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (277) سورة البقرة
{لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} (162) سورة النساء
{وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} (31) سورة مريم
وأما الثنائيات السلبية فنستعرض منها:
ثنائية نقض العهد وقطيعة الرحم:{الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (27) سورة البقرة
ثنائية الكفر والتكذيب: {وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (39) سورة البقرة
ثنائية التدليس وكتمان الحق: {وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} (42) سورة البقرة
وهناك الكثير من الثنائيات التكاملية الإيجابية، ونقيضتها التسافلية السلبية، التي تثري الباحثين القرآنيين بالمزيد من المعادلات الحضارية في أبعادها الأخلاقية وأسئلتها المعرفية، وتوضح المسار الصائب في معرفة العلائق نوعاُ وكماُ وظرفاُ، والتي تساهم في تغيير الدفع الحضاري للأمة سلباً وإيجاباً.

أزمة الشعار والمصداقية وأهمية المحاسبة والتقييم
من أهم العوائق التي تعيق التوعية وانتشار العقلانية القرآنية كنمط معرفي مؤثر يساهم في رشد المجتمع وتكامله، هي أزمة العقل العربي والإسلامي مع الشعارات!
إذ تفتقد العقلية والذهنية الفردية والجماعية في الواقع المعاش، وعبر مرور الأزمان إلى آلية محاسبة وتقييم ناضجة ومحيطة ومدركة لكل العوامل المؤثرة في اتخاذ القرار، صغيراً كان أم كبيراً!
فقد تعرض القرآن الكريم نفسه للتوظيف السياسي والمذهبي، ورفع على أسنة الرماح، وكان سبباً يصطنعه البعض كمادة للتهييج العاطفي لخدمة أغراض سياسية أو ترويج شعبية قيادية!
ولم يسلم القرآن ذاته من التأويل المذهبي والتعاطي الحزبي والقراءة المزاجية تحت دعوى حرية الرأي وتعدد القراءات.
وهذا يبين بوضوح عمق الأزمة المعرفية مع أهم مصادرها وأنقاها، فكيف الحال مع الموارد والمصاديق الأخرى التي تختلط فيها الآراء وتضيع فيها القرارات ويحار لفهمها الأذهان لتداخل المصالح وتجاذب المواقف فيها!
إن المجتمع الواعي ممثلاً في نخبته وطليعته الرسالية، هو ذلك القادر على إرساء ثقافة المحاسبة المنصفة والتقييم الواعي والعادل بين أفراده، وأي مجتمع تترقى فيه هذه الملكة يكون قادراً على اختصار سباق الزمن وتحدي السرعة وقهر المسافة نحو التحضر والتمدن، وتكامل مقوماته المادية والمعنوية، واختصار مسيرة العذاب المملوءة بآهات القهر والعذاب من تحكم الشعارات البراقة والعناوين المزخرفة على صعيد الأشخاص والمواقف والأفكار، حيث يرزح الجميع تحت مظلة الظلم المستغرق لجميع أفراد المجتمع، حيث يبدأ الفرد في ظلم نفسه قبل أن يظلمه المجتمع لتخليه عن قيمة المحاسبة والتقييم، وحقه في المشاركة والتقويم، وفق آلية مشاركة فاعلة ومنصفة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
تم بحمد الله الفراغ من هذه المشاركة عصر يوم الخميس الموافق 17 رمضان 1429هجري


الهوامش
1: على سبيل المثال: يعتقد الدكتور "طه عبدالرحمن" أن العقل عقول، وأن كل نسق من الأنساق الاستدلالية هو عقل من العقول، يكفي فيها أن تختار مسلماتك وموضوعاتك في سياق مخصوص، ثم تنتج نتائج وحقائق تكون موصولة بالسياق الذي فرعت عليه مسلماتك وبديهياتك.
ولذلك وسم د.طه عبدالرحمن العقل في كتابه "اللسان والميزان" للوفاء بغرضه من حد العقل بحد الفعل عوض الجوهر أو الماهية. إذ ليس في الأفعال الإنسانية فعلا أكثر تقلبا وتبدلا من العقل. وهكذا صار هو إلى وسم الفعل العقلي بوسم التكوثر. فقد نتحدث بصفة عامة عن العقلانية الحجاجية والعقلانية البرهانية والعقلانية الحدسية أو "العرفانية" وكل بحسب مجاله الخاص كما يمكن أن تزدوج عقلانيتان أو أكثر في نطاق مخصوص.
وأن العقل ليس واحدا لا ثاني له وما عرفه الغرب من العقول، وانه ليس بأعقل العقول أو أتمها، بل هو أدنى العقول الممكنة، إذ يمكن الخروج منه وطلب عقل أتم وأعقل (انظر كتاب طه عبدالرحمن "العمل الديني وتجديد العقل" حيث تحدث عن عقول ثلاثة: العقل المجرد والعقل المسدد والعقل المؤيد). اقتباس من الباحث عبدالعالي العبدوني من منتديات المعارف الحكمية.
2: يميّز الأستاذ "جميل صليبا" في "المعجم الفلسفي" العربي بين نمطين من العقلانية سماهما: مطلقة ونسبية. فيقول: "القول إن المعرفة تنشأ عن المبادئ العقلية القبلية والضرورية لا عن التجارب الحسية، لان هذه التجارب لا تفيد علما كلياً". و"القول إن وجود العقل شرط في إمكان التجربة، فلا تكون التجربة ممكنة إلا إذا كان هناك مبادئ عقلية تنظم معطيات الحس". "فإذا عددت هذه المثل وتلك المعاني والصور شرطاً ضرورياً وكافياً لحصول المعرفة، كانت العقلانية مطلقة، وإذا عددتها شرطا ضروريا فقط كانت العقلانية نسبية."
3: بلغ من تعقيد هذا المصطلح وتشعباته أن الباحث كودوس F.Khodoss كاتب مقالة ال"عقلانية" في أكبر موسوعة فلسفية فرنسية (الموسوعة الفلسفية الشاملة) التي يقدمها أصحابها بوصفها موسوعة مكتوبة خصيصا للفلاسفة وليس للجمهور العادي! يشير في بدء مقالته إلى أن اللفظ لفظ سجالي، لكنه بعد تقريره لسجالية المفهوم يقترح أسلوباً فضفاضاً فيقول: من الأفضل تحديد العقلانية بالرجوع إلى ما يقوله "من يساجلون بها ومن يساجلون ضدها"!.
كما كان أقصى ما عرّفها "جيل غاستون غرانجي" في مقالته "عقلانية" بموسوعة أونيفرساليس: بأن لفظ "العقلانية"، بمعناه العام، لا يشير حقا إلى مذهب، مثلما هو الحال بالنسبة لألفاظ "المثالية"، و"الواقعية"،و"التجريبية"." ولذا فالمسلك الذي يراه ممكنا في تحديدها هو: "جعل العقلانية مخالفة للاعقلانية"!
كما طرح الباحث الطيب بوعزة تصوره لواقع العقلانية في الفلسفة المعاصرة فخلص إلى: "إن التوجه الفكري المهيمن على الوعي الفلسفي في اللحظة المعاصرة لا هو عقلاني إطلاقي و لا هو عقلاني نسبي، بل هو ينحو "منحى اللاعقلانية الرافضة للعقل ذاته". وما نجد من بقايا العقلانية فهي كما قلنا نزعات نسبية تقول بمحدودية العقل واحتياجه إلى غيره من مصادر المعرفة".
4: مفهوم العقل/ أ.د. جعفر شيخ إدريس/ مجلة البيان العدد 158 شوال 1421 هـ
5: يتناول الشيخ محمد هادي معرفة جانباً من هذا الطرح فيقول: "امتاز القرآن في استدلالاته بالجمع بين أسلوبين متنافيين في شرائطهما، هما: أسلوب الخطابة وأسلوب البرهان. ذاك إقناع للعامة بما يتسالمون به من مقبولات مظنونات وهذا إفهام للخاصّة بما يتصادقون عليه من أوّليات يقينيات. ومن الممتنع عادةً أن يقوم المتكلّم بإجابة ملتمس كلا الفريقين، ليجمع بين الظن واليقين في خطاب واحد. الأمر الذي حققه القرآن فعلاً بعجيب بيانه وغريب أسلوبه.
والبرهان: ما تركب من مقدمات يقينية، سواء أكانت ضرورية (بديهية أو فطرية) أم كانت نظرية (منتهية إلى الضروريات).
والقضايا الضرورية ستة أنواع:
1: الأوليات: وهي قضايا قياساتها معها. يكفي في الجزم بالحكم مجرّد تصور الطرفين، كقولنا: (الكلّ أعظم من الجزء). أو مع تصوّر الواسطة وحضورها في الذهن، كقولنا: (الأربعة زوج) لأنه ينقسم إلى متساويين.
2: مشاهدات: هي قضايا محسوسة بالحواسّ الظاهرة كإضاءة الشمس.
3: وجدانيات: منشؤها الحسّ الباطني كالإحساس بالخوف والغضب.
4: متواترات: أخبار جماعة يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب والاختلاق.
5: مجربات: يحصل الجزم بالنتيجة على أثر تكرّر المحسوس.
6: حدسيات: هي سرعة الانتقال من المبادئ إلى المطالب. ويقابلها الفكر، الذي هو حركة الذهن نحو المبادئ ثم رجوعه إلى المطالب، فلا بُدّ فيه من حركتين، على خلاف الحدس، إذ لا حركة فيه. لأن الحركة تدريجية، والانتقال آني.
أمّا الخطابة فهي ما تركّب من مقدّمات كانت مقبولة معتقداً بها لأمر سماوي أو لمزيد عقل ودين.
ونظيرها الجدل: المتركّب من قضايا مشهورات تقبّلتها العامة وخضعت لها أعرافهم ونسجت عليها طبائعهم، فألفوها وأذعنوا بها إذعاناً. أو قضايا مسلمات تسلّم بها المخاطبون كأصول مفروضة مسلم بها. والقرآن الكريم قد استفاد في دلائله من كل هذه الأساليب، وفي الأكثر جمع بينها في خطاب مع العامة يشترك معهم الخواّص. وهذا غاية في القدرة على الاستدلال وإقامة البرهان". لمزيد من التوسع في تناول الفكرة راجع مجلة التقريب.نت، العدد الثالث، مقال "الاستدلالُ في القُرآن" للشيخ محمد هادي معرفة