بمناسبة مولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ألقيت محاضرة بعنوان "شخصية الإمام علي (ع) بين الذاتية والموضوعية"، وهذا تلخيص واستعراض لأهم وأبرز نقاطها.
استهلّت الكلمة في ذكرى مولد أمير المؤمنين (ع)، بالتركيز على أفعال التفضيل التي وردت في إحدى الروايات المأثورة، والتي يخاطب فيها الزائر شخص الإمام بقوله: "رحمك الله يا أبا الحسن! كنت أوّل القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدّهم يقيناً، وأخوفهم لله، وأعظمهم عناء، وأحوطهم على رسول الله، وآمنهم على أصحابه، وأفضلهم مناقب، وأكرمهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم من رسول الله، وأشبههم به هدياً وخلقاً وسمتاً وفعلاً، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله وعن المسلمين خيراً. قويت حين ضعف أصحابه، وبرزت حين استكانوا، ونهضت حين وهنوا، ولزمت منهاج رسول الله إذ همّ أصحابه، وكنت خليفته حقّاً، لم تنازع ولم تضرع برغم المنافقين، وغيظ الكافرين، وكره الحاسدين، وصِغْرِ الفاسقين. فقمتَ بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا، ومضيت بنور الله إذ وقفوا، فاتّبعوك فهُدوا، وكنت أخفضهم صوتاً، وأعلاهم قنوتاً، وأقلّهم كلاماً، وأصوبهم نطقاً، وأكبرهم رأياً، وأشجعهم قلباً، وأشدّهم يقيناً، وأحسنهم عملاً، وأعرفهم بالاُمور. كنت والله يعسوباً للدين، أوّلاً وآخراً: الأوّل حين تفرّق الناس، والآخر حين فشلوا... إلى آخر الزيارة".
المدخل
كان المدخل للموضوع هو الاستغراب من كون الإشارة للعظماء عادة ما يكون بلسان غيرهم، باعتبار أن الإشارة من الإنسان إلى نفسه يعتبر أمراً غير مرغوب فيه!
ومع ذلك: نلاقي كل هذا الكم الهائل من الإشارة للذات في كلام أمير المؤمنين، فما هي الغاية أو الهدف؟
فهل مجرد مظلوميته مسوغة لذلك؟
ومتى تكون الإشارة للذات تزكية للنفس؟ ومتى تكون إظهاراً للحق؟
وهل للإشارة للذات مدخلية واقعية للوصول إلى الحقيقة وموضوعها؟
ومتى تتمازج الذات مع الحق فتكون الإشارة للذات إشارة للحق؟
وما هو موقفنا من معرفة الرجال بالحق، وليس معرفة الحق بالرجال؟
ولماذا لا نشير للحق في الرجال بدلاً من الإشارة للرجال في الحق؟
وهنا لا بد أن نقف ونتساءل:
ما هو الحد المائز بين الذاتية والموضوعية في شخصية الإمام علي؟
وهل هناك حقيقة وحدة بينهما؟
فلنستعرض نماذج من إشارته الى ذاته كقوله:
"معاشر الناس، (أنا) أخو رسول الله ووصيّه ووارث علمه، خصّني وحباني بوصيّته، واختارني من بينهم!"
"(أنا) صنوه، ووصيّه ووليّه!"
"(أنا) وصيّ خير الأنبياء"
"(أنا) إمام البريّة"
"(أنا) يعسوب المؤمنين"
"(أنا) عبدالله، وأخو رسوله، لا يقولها أحد قبلي ولا بعدي إلاّ كذب"
"(سلوني) عن أسرار الغيوب; فإنّي وارث علوم الأنبياء".
مسوغات الإشارة للذات عند أمير المؤمنين (ع)
1- ذوبان واندكاك علي (ع) في الحق
س: هل نحتاج للحق في حياتنا؟
ج: نعم، فوجهات النظر والرؤى مختلفة، والكل ينشد الحق ويسعى له ويدعيه!
ولذلك كان الحق هو الهدف والوسيلة دائماً وأبداً، وأبرز موارد الحاجة للحق هو في الحكومة حين الاختلاف (فلا و ربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)!
والسؤال هنا: لماذا لم يقل القرآن (حتى يحكموا الحق فيما شجر بينهم)؟
فيتبين لنا هنا أن للحق موضوع خارجي هو انعكاس ومرآة لذاته، وهم محمد (ص) وعترته (ع)، بل أن الحق متأخر رتبة عنهم، بحيث يكون هو تابعاً لهم ونابعاً منهم، ويستمد حقانيته من ذواتهم "الحق مع علي، وعلي مع الحق، أدره معه حيثما دار".
فالحق يتبع علي، وليس علي من يتبع الحق، لأنه حقٌ محض، لا ينفك الحق أن يكون منه وله، وقد عرفنا هنا أن للحق موضوعاً خارجياً يبرز ذاته المكونة من تعاليم السماء، وهو مظهرها وتجليها الحقيقي في عالم الوجود والمادة، فضلاً عن عالم الفكر والمثل.
2- علي (ع) مظهر الحق وجوهره
الحق يحتاج إلى علائم ودلائل تميزه عن موارد الشبهات والهلكات، وعلي هو العلامة المسجلة والفارقة له، ومكنون كل قيمة أو معنى سامٍ في الوجود، وهو مجمع الفضائل.
وقد جاء في كتاب (تاريخ دمشق)، عن ابن عبّاس: ستكون فتنة، فمن أدركها منكم فعليه بخصلتين: كتاب الله، وعليّ بن أبي طالب! فإنّي سمعت رسول الله يقول ـ وهو آخذ بيد عليّ ـ: "هذا أوّل من آمن بي، وأوّل من يصافحني، وهو فاروق هذه الاُمّة، يفرق بين الحقّ والباطل، وهو يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظلمة، وهو الصدّيق الأكبر، وهو بابي الذي اُوتي منه، وهو خليفتي من بعدي".
3- ضرورة وجود معيار فعلي ومرجع واقعي للحق في الحياة
عند اختلاط الصورة وتحاكم المعاني، لا بد من وجود معايير محكمة وجلية له!
وعلي (ع) هو المعيار التام لهذا الحق، فلا يعرف الحق إلا بعلي (ع)، فمن كان مع علي (ع)، كان الحق معه.
4- العصمة والكمال من لوازم الإمامة
أ- النظرة الإسلامية للتغيير
فالإسلام يعتقد أن تغيير الذات هو مقدمة وأساس التغيير الناجح {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.
ومن هنا كان ضرورياً أن يكون القائد أولاً نموذجاً للكمال والحق في نفسه، حتى يستحق أن يكون قدوة وعلامة على الحق.
ب- المصداقية الشخصية
ومن هنا كانت حياة علي (ع) نموذج واقعي بشري لتجسد الحق في السلوك والفعل، وفي الفكر والروح، وهذا ما دعى لإن يكون علياً (ع) في دائرة أوسع من الدائرة الإسلامية، وبما يحتوي الدائرة الإنسانية بما جبلت عليه من عشق للقيم، وعشق أي شخصية تعكسها وتطبقها.
هذا ما جعل أشخاص مثل "سليمان كتاني" في (علي (ع) نبراس ومتراس)، و "جورج جرداق" في (موسوعة الإمام علي (ع) صوت العدالة الإنسانية)، وآخرون كثر من ديانات ومذاهب شتى يترجمون حياة الإمام علي (ع)، وبحيث يجعل "بولس سلامة" الإنصاف قرين التشيع: "إن في كل قلب كل منصف شيعياً".
ج- طرح وعرض النظرة الإسلامية للقيادة
وهي أن المكان بالمكين، والذي يشتمل على الخصائص والمؤهلات اللازمة لذلك، من قول أو فعل، ولذلك كانت الإمامة تتطلب المبادرة والتفاضل، فكان علي دائماً هو الأول والأفضل: "أقضاكم علي"، "أفقهكم علي"، فعلي (ع) هو الأول في كل مجال دخل فيه (راجع أفعال التفضيل في الزيارة السابقة أعلاه).
د - أهمية تنجز وتحقق النموذج البشري الكامل
فلا بد للإنسانية من وجود نموذج بشري كامل، يحقق القيم الإلهية المنشودة، ولكي يكون ذلك حقيقة واقعة، اصطفى الله من خلقه الأنبياء والأوصياء (ع)، ليكون سلوكهم وقولهم، وبالأحرى ذواتهم، علامة على الحق ودليل عليه، وعلي (ع) هو التجسد الكامل للكمال في الشخصية البشرية، والهدف المنشود للمحاكاة للوصول للقمة:
- عن علي (ع): "وإنّما هي نفسي أرُوضها بالتقوي لتأتي آمنةً يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق. ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل، ولُباب هذا القمح، ونسائج هذا القزّ، ولكن هيهات أن يغلبَني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشِّبَع، أ وَأبيتَ مبطاناً وحولي بُطونٌ غرثى وأكبادٌ حرّى، أو أكون كما قال القائل:
وحسبك داءً أن تبيت ببطنة *** وحولك أكبادٌ تحِنُّ إلى القدِّ
أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين، ولا اُشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون اُسوةً لهم في جشوبة العيش! فما خُلقتُ ليشغلني أكل الطيّبات، كالبهيمة المربوطة، همّها علفها، أو المرسلة شغلها تقمّمها".
- عن علي (ع): "ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً، يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفي من دنياه بطِمْريه، ومن طُعمه بقرصيه، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفّة وسداد".
5- عدم إنكار المعاصرين لعلي في الإشارة لذاته، دليل الموضوعية وأهمية الإشارة إليها
فلم يكن هناك من ينكر على علي (ع) حقيقة أفضليته وجدارته بالإمامة على مستوى الدعوى والاستدلال!
وفي نفس الوقت كان أمير المؤمنين مستبعداً عنها من ناحية عملية لدوافع لا تتعلق بالاستحقاق الموضوعي لها، ولا في المصداق العملي لها من خلال شخصيته ومعطياتها، بل لدوافع وعوامل خارجية مفروضة قهراً وظلماً!
فكان من الضروري إبلاغ الحجة وبيان العلائم الهادية ونصبها لائحة للأمة، وهذا ما فعله علي عندما أشار إلى نفسه.
6- التكامل الوظيفي بين النبوة والإمامة والعترة والكتاب يفرض الإشارة إلى الإمام
من حيث كون الإمامة استمرار وامتداد لهدي النبوة، ووصاية على قيمها ومسيرتها، وكما أن القرآن كان يشير إلى أهمية النبوة وجذريتها وموقعيتها عقيدة وفكراً، وكان يكرر الإشارة إلى شخصية النبي والرسل، وحيث أن العترة عدل الكتاب، ولسانه الناطق، كان من المهم الإشارة إلى الوصي وموقعيته عقيدة وفكراً، ولذلك أصبحت الإمامة ومصاديقها من أهم مواضيع العقيدة والفكر الإسلامي.
- عن رسول الله (ص): "القرآن إمامٌ هاد، وله قائد يهدي به ويدعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وهو عليّ بن أبي طالب، وهو وليّ الأمر بعدي، ووارث علمي وحكمتي، وسرّي وعلانيتي، وما ورثه النبيّون قبلي، وأنا وارث ومورّث، فلا تُكذِبنّكم أنفسُكم".
- عن رسول الله (ص): "{إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}; المنذر أنا، والهادي عليّ بن أبي طالب".
- عن علي (ع): "إنّ الله تبارك وتعالي خصّني بما خصّ به أولياءه وأهل طاعته، وجعلني وارث محمّد، فمن ساءه ساءه، ومن سرّه سرّه".
7- تأكيد استمرارية الهدي النبوي يفرض الإشارة إلى الإمام
فالتأكيد المستمر من النبي على وجود كثير من خصائصه في أمير المؤمنين إلى درجة الانطباق التام، ووصيته للأمة في أتباع الأكمل في اقتدائه وشخصيته وهو علي (ع)، فرض على الإمام (ع) أن يؤكد هذا المعنى للأمة ويذكرها به في مواجهة التعتيم التام والتزوير والتزييف المستمر لوجدان الأمة وعقلها:
- عن علي (ع): "ولقد كنت أتَّبعه اتّباع الفصيل أثر اُمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه عَلَماً، ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحِراءَ، فأراه ولا يراه غيري، ولم يَجْمَع بيتٌ واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما; أري نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوّة. ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه، فقلت: يا رسول الله! ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيِس من عبادته. (إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى)، إلاّ أنّك لست بنبيّ، ولكنّك لوزير، وإنّك لعلي خير".
- سأل عبدالرحمن بن خالد قثمَ بن العبّاس: من أين ورث عليٌّ رسولَ الله؟ قال: إنّه كان أوّلنا به لحوقاً، وأشدّنا به لزوقاً.
كما يلاحظ في هذه الروايات اقتران ضمير المتكلم - وهو النبي هنا - بعلي ، وارتباط النبوة بالإمامة وتكاملهما:
- عن رسول الله (ص): "(كنت) أنا وعليّ نوراً بين يدي الله عزّ وجلّ، يسبّح الله ذلك النور ويقدّسه قبل أن يخلق آدم بألف عام، فلمّا خلق الله آدم ركّب ذلك النور في صُلبه، (فلم يزَل في شيء واحد حتي افترقنا في صُلب عبد المطّلب، ففيَّ النبوّة، وفي عليّ الخلافة)".
- عن رسول الله (ص): "من (كنت) مولاه فعليّ مولاه ، اللهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه".
- عن رسول الله (ص): "هذا وليّ من (أنا) مولاه ، اللهمّ والِ من والاه ، اللهمّ عادِ من عاداه".
- عن رسول الله (ص): "(أنا) مدينة العلم، وعليّ بابها".
معنى التشيع الصادق
وبعد استعراض تلك المحاور وشرح معطياتها, كان التساؤل عن موقعية محبي أمير المؤمنين (ع) منه ومن نهجه النير المشرق؟
وماهية ومعنى "التشيع الصادق"؟
وكان الجواب على هذا التساؤل:
بأن ذلك يتحقق من خلال أمور هي:
1/ الورع
وهذا يعني تجنب مواطن النهي في الشريعة الإسلامية، وما أشار إليه القرآن والعترة، وهذا يتطلب العلم التام بها، وهو ما لا يكون دون الاتباع التام لهدي القرآن والعترة.
واللازمة الأساسية في كل وصية من أمير المؤمنين لشيعته هي تقوى الله، ويمكن مراجعة خطبه وملاحظة استهلالاته في خطبه بالدعوة إلى التقوى.
2/ الاجتهاد
فنحن مطالبون باستمرارية السعي وبذل الجهد، وتحسين الأداء، أفراداً وجماعات، وأن لا يداخلنا اليأس من الصلاح أو الإصلاح.
والاجتهاد هنا بالمعنى الأعم في عمارة الدنيا والآخرة:
- "من طلب الدنيا حلالا; تعطّفاً على والد أو ولد أو زوجة، بعثه الله تعالى ووجهه على صورة القمر ليلة البدر".
- "اُوصيكم بالخشية من الله في السرّ والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والاكتساب في الفقر والغنى".
- "إنّ طلب المعاش من حلّه لا يشغل عن عمل الآخرة".
3/ العفة
وهي مرحلة من أرقى مراحل السلوك، تتوخى المثالية في السلوك، واجتناب موارد الشبهة فيه، فضلاً عن اقتحام موارد الهلكة، وهو ما يعني ضرورة السعي والنظر للأفضل دائماً، وعدم الاستقرار على مستوى واحد.
4/ السداد
وهذا يتطلب المقاربة مع الأصول المرعية واللازمة، والرجوع المستمر لنبع الإمامة الصافي واستقاء التعاليم منه، ومراجعة الأداء وتقويمه، وملاحظة مدى انطباقه مع هدي القرآن والعترة، ودراسة الأسباب التي تمكن من الوصول للحقيقة بشكل صحيح وسليم.
الالتزام
فليس التشيع مناسبات وقتية أو تطبيقات مزاجية، بل حالة وميزة أصيلة في السلوك والفعل، وملكة فعالة مسيطرة على الجوانح والجوارح، تستمد رقيها من التزامها بالدين وتطبيقها له، وفق أصول المذهب وتعاليمه، وهذا أمر صعب مستصعب!
لذلك كان الإمام يشتكي من قلة ناصريه كماً ونوعاً، فودّ أن يصرف معاوية أتباع علي (ع) بأتباعه ديناراً بدرهم، فيعطيه الإمام عشرة ويعطيه واحداً، لالتزامهم بباطلهم، وتخلي اتباعه عن حقهم!
5/ الوحدة
فالوحدة من أهم معطيات الإمامة وبواعثها: "وجعل إمامتنا أماناً من الفرقة..." من خطبة الزهراء (ع).
كما أن الفرقة من أهم أسباب الفشل الحضاري على مستوى الأمة والفرد، ولذلك ذم الإمام تفرق شيعته وأنصاره كثيراً، فليس ذات الحق متعدداً مع وجود الإمام أو وجود النص القطعي دلالة وسنداً، حتى نحتمل قراءة وموقف معذّر لهم!
بالتالي يجب علينا أن نوسع القراءة والتعامل مع المشتركات على صعيد الطائفة، وكذلك الأمة، ومصلحة الإسلام في ظل الحرب المعلنة والمستمرة عليه لا تتحمل الفرقة والاختلاف، بل تدعو إلى الوحدة والتقارب ما أمكن، وهذا ما يدعو إليه كل ذي عقل منصف.
- "أما والذي نفسي بيده، ليظهرنّ هؤلاء القوم عليكم; ليس لأنّهم أولى بالحقّ منكم، ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم، وإبطائكم عن حقّي".
- "هذا ما أوصي به عليّ بن أبي طالب ، أوصي أنّه يشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله... واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا، فإنّي سمعت رسول الله يقول: "صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام"، وأنّ المُبيرة الحالقة للدين فساد ذات البَيْن، ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهوّن الله عليكم الحساب".
واجبنا تجاه الإمام في ذكرى ولادته
إن فقدان هذه الأمور، لا يعني انتفاء ماهو واجب على المكلفين تجاه الإمام، ويتجسد ذلك في:
1- حسن القراءة لشخصيته وتعاليمه.
2- الاقتداء الصادق به.
3- التعريف بموقعيته في العقيدة وحياة الأمة.
4- طاعة القيادة الشرعية للأمة: وهي العترة الطاهرة، ومن بعدهم للعلماء المؤتمنون على حرامهم وحلالهم.
استهلّت الكلمة في ذكرى مولد أمير المؤمنين (ع)، بالتركيز على أفعال التفضيل التي وردت في إحدى الروايات المأثورة، والتي يخاطب فيها الزائر شخص الإمام بقوله: "رحمك الله يا أبا الحسن! كنت أوّل القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدّهم يقيناً، وأخوفهم لله، وأعظمهم عناء، وأحوطهم على رسول الله، وآمنهم على أصحابه، وأفضلهم مناقب، وأكرمهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم من رسول الله، وأشبههم به هدياً وخلقاً وسمتاً وفعلاً، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله وعن المسلمين خيراً. قويت حين ضعف أصحابه، وبرزت حين استكانوا، ونهضت حين وهنوا، ولزمت منهاج رسول الله إذ همّ أصحابه، وكنت خليفته حقّاً، لم تنازع ولم تضرع برغم المنافقين، وغيظ الكافرين، وكره الحاسدين، وصِغْرِ الفاسقين. فقمتَ بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا، ومضيت بنور الله إذ وقفوا، فاتّبعوك فهُدوا، وكنت أخفضهم صوتاً، وأعلاهم قنوتاً، وأقلّهم كلاماً، وأصوبهم نطقاً، وأكبرهم رأياً، وأشجعهم قلباً، وأشدّهم يقيناً، وأحسنهم عملاً، وأعرفهم بالاُمور. كنت والله يعسوباً للدين، أوّلاً وآخراً: الأوّل حين تفرّق الناس، والآخر حين فشلوا... إلى آخر الزيارة".
المدخل
كان المدخل للموضوع هو الاستغراب من كون الإشارة للعظماء عادة ما يكون بلسان غيرهم، باعتبار أن الإشارة من الإنسان إلى نفسه يعتبر أمراً غير مرغوب فيه!
ومع ذلك: نلاقي كل هذا الكم الهائل من الإشارة للذات في كلام أمير المؤمنين، فما هي الغاية أو الهدف؟
فهل مجرد مظلوميته مسوغة لذلك؟
ومتى تكون الإشارة للذات تزكية للنفس؟ ومتى تكون إظهاراً للحق؟
وهل للإشارة للذات مدخلية واقعية للوصول إلى الحقيقة وموضوعها؟
ومتى تتمازج الذات مع الحق فتكون الإشارة للذات إشارة للحق؟
وما هو موقفنا من معرفة الرجال بالحق، وليس معرفة الحق بالرجال؟
ولماذا لا نشير للحق في الرجال بدلاً من الإشارة للرجال في الحق؟
وهنا لا بد أن نقف ونتساءل:
ما هو الحد المائز بين الذاتية والموضوعية في شخصية الإمام علي؟
وهل هناك حقيقة وحدة بينهما؟
فلنستعرض نماذج من إشارته الى ذاته كقوله:
"معاشر الناس، (أنا) أخو رسول الله ووصيّه ووارث علمه، خصّني وحباني بوصيّته، واختارني من بينهم!"
"(أنا) صنوه، ووصيّه ووليّه!"
"(أنا) وصيّ خير الأنبياء"
"(أنا) إمام البريّة"
"(أنا) يعسوب المؤمنين"
"(أنا) عبدالله، وأخو رسوله، لا يقولها أحد قبلي ولا بعدي إلاّ كذب"
"(سلوني) عن أسرار الغيوب; فإنّي وارث علوم الأنبياء".
مسوغات الإشارة للذات عند أمير المؤمنين (ع)
1- ذوبان واندكاك علي (ع) في الحق
س: هل نحتاج للحق في حياتنا؟
ج: نعم، فوجهات النظر والرؤى مختلفة، والكل ينشد الحق ويسعى له ويدعيه!
ولذلك كان الحق هو الهدف والوسيلة دائماً وأبداً، وأبرز موارد الحاجة للحق هو في الحكومة حين الاختلاف (فلا و ربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)!
والسؤال هنا: لماذا لم يقل القرآن (حتى يحكموا الحق فيما شجر بينهم)؟
فيتبين لنا هنا أن للحق موضوع خارجي هو انعكاس ومرآة لذاته، وهم محمد (ص) وعترته (ع)، بل أن الحق متأخر رتبة عنهم، بحيث يكون هو تابعاً لهم ونابعاً منهم، ويستمد حقانيته من ذواتهم "الحق مع علي، وعلي مع الحق، أدره معه حيثما دار".
فالحق يتبع علي، وليس علي من يتبع الحق، لأنه حقٌ محض، لا ينفك الحق أن يكون منه وله، وقد عرفنا هنا أن للحق موضوعاً خارجياً يبرز ذاته المكونة من تعاليم السماء، وهو مظهرها وتجليها الحقيقي في عالم الوجود والمادة، فضلاً عن عالم الفكر والمثل.
2- علي (ع) مظهر الحق وجوهره
الحق يحتاج إلى علائم ودلائل تميزه عن موارد الشبهات والهلكات، وعلي هو العلامة المسجلة والفارقة له، ومكنون كل قيمة أو معنى سامٍ في الوجود، وهو مجمع الفضائل.
وقد جاء في كتاب (تاريخ دمشق)، عن ابن عبّاس: ستكون فتنة، فمن أدركها منكم فعليه بخصلتين: كتاب الله، وعليّ بن أبي طالب! فإنّي سمعت رسول الله يقول ـ وهو آخذ بيد عليّ ـ: "هذا أوّل من آمن بي، وأوّل من يصافحني، وهو فاروق هذه الاُمّة، يفرق بين الحقّ والباطل، وهو يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظلمة، وهو الصدّيق الأكبر، وهو بابي الذي اُوتي منه، وهو خليفتي من بعدي".
3- ضرورة وجود معيار فعلي ومرجع واقعي للحق في الحياة
عند اختلاط الصورة وتحاكم المعاني، لا بد من وجود معايير محكمة وجلية له!
وعلي (ع) هو المعيار التام لهذا الحق، فلا يعرف الحق إلا بعلي (ع)، فمن كان مع علي (ع)، كان الحق معه.
4- العصمة والكمال من لوازم الإمامة
أ- النظرة الإسلامية للتغيير
فالإسلام يعتقد أن تغيير الذات هو مقدمة وأساس التغيير الناجح {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.
ومن هنا كان ضرورياً أن يكون القائد أولاً نموذجاً للكمال والحق في نفسه، حتى يستحق أن يكون قدوة وعلامة على الحق.
ب- المصداقية الشخصية
ومن هنا كانت حياة علي (ع) نموذج واقعي بشري لتجسد الحق في السلوك والفعل، وفي الفكر والروح، وهذا ما دعى لإن يكون علياً (ع) في دائرة أوسع من الدائرة الإسلامية، وبما يحتوي الدائرة الإنسانية بما جبلت عليه من عشق للقيم، وعشق أي شخصية تعكسها وتطبقها.
هذا ما جعل أشخاص مثل "سليمان كتاني" في (علي (ع) نبراس ومتراس)، و "جورج جرداق" في (موسوعة الإمام علي (ع) صوت العدالة الإنسانية)، وآخرون كثر من ديانات ومذاهب شتى يترجمون حياة الإمام علي (ع)، وبحيث يجعل "بولس سلامة" الإنصاف قرين التشيع: "إن في كل قلب كل منصف شيعياً".
ج- طرح وعرض النظرة الإسلامية للقيادة
وهي أن المكان بالمكين، والذي يشتمل على الخصائص والمؤهلات اللازمة لذلك، من قول أو فعل، ولذلك كانت الإمامة تتطلب المبادرة والتفاضل، فكان علي دائماً هو الأول والأفضل: "أقضاكم علي"، "أفقهكم علي"، فعلي (ع) هو الأول في كل مجال دخل فيه (راجع أفعال التفضيل في الزيارة السابقة أعلاه).
د - أهمية تنجز وتحقق النموذج البشري الكامل
فلا بد للإنسانية من وجود نموذج بشري كامل، يحقق القيم الإلهية المنشودة، ولكي يكون ذلك حقيقة واقعة، اصطفى الله من خلقه الأنبياء والأوصياء (ع)، ليكون سلوكهم وقولهم، وبالأحرى ذواتهم، علامة على الحق ودليل عليه، وعلي (ع) هو التجسد الكامل للكمال في الشخصية البشرية، والهدف المنشود للمحاكاة للوصول للقمة:
- عن علي (ع): "وإنّما هي نفسي أرُوضها بالتقوي لتأتي آمنةً يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق. ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل، ولُباب هذا القمح، ونسائج هذا القزّ، ولكن هيهات أن يغلبَني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشِّبَع، أ وَأبيتَ مبطاناً وحولي بُطونٌ غرثى وأكبادٌ حرّى، أو أكون كما قال القائل:
وحسبك داءً أن تبيت ببطنة *** وحولك أكبادٌ تحِنُّ إلى القدِّ
أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين، ولا اُشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون اُسوةً لهم في جشوبة العيش! فما خُلقتُ ليشغلني أكل الطيّبات، كالبهيمة المربوطة، همّها علفها، أو المرسلة شغلها تقمّمها".
- عن علي (ع): "ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً، يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفي من دنياه بطِمْريه، ومن طُعمه بقرصيه، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفّة وسداد".
5- عدم إنكار المعاصرين لعلي في الإشارة لذاته، دليل الموضوعية وأهمية الإشارة إليها
فلم يكن هناك من ينكر على علي (ع) حقيقة أفضليته وجدارته بالإمامة على مستوى الدعوى والاستدلال!
وفي نفس الوقت كان أمير المؤمنين مستبعداً عنها من ناحية عملية لدوافع لا تتعلق بالاستحقاق الموضوعي لها، ولا في المصداق العملي لها من خلال شخصيته ومعطياتها، بل لدوافع وعوامل خارجية مفروضة قهراً وظلماً!
فكان من الضروري إبلاغ الحجة وبيان العلائم الهادية ونصبها لائحة للأمة، وهذا ما فعله علي عندما أشار إلى نفسه.
6- التكامل الوظيفي بين النبوة والإمامة والعترة والكتاب يفرض الإشارة إلى الإمام
من حيث كون الإمامة استمرار وامتداد لهدي النبوة، ووصاية على قيمها ومسيرتها، وكما أن القرآن كان يشير إلى أهمية النبوة وجذريتها وموقعيتها عقيدة وفكراً، وكان يكرر الإشارة إلى شخصية النبي والرسل، وحيث أن العترة عدل الكتاب، ولسانه الناطق، كان من المهم الإشارة إلى الوصي وموقعيته عقيدة وفكراً، ولذلك أصبحت الإمامة ومصاديقها من أهم مواضيع العقيدة والفكر الإسلامي.
- عن رسول الله (ص): "القرآن إمامٌ هاد، وله قائد يهدي به ويدعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وهو عليّ بن أبي طالب، وهو وليّ الأمر بعدي، ووارث علمي وحكمتي، وسرّي وعلانيتي، وما ورثه النبيّون قبلي، وأنا وارث ومورّث، فلا تُكذِبنّكم أنفسُكم".
- عن رسول الله (ص): "{إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}; المنذر أنا، والهادي عليّ بن أبي طالب".
- عن علي (ع): "إنّ الله تبارك وتعالي خصّني بما خصّ به أولياءه وأهل طاعته، وجعلني وارث محمّد، فمن ساءه ساءه، ومن سرّه سرّه".
7- تأكيد استمرارية الهدي النبوي يفرض الإشارة إلى الإمام
فالتأكيد المستمر من النبي على وجود كثير من خصائصه في أمير المؤمنين إلى درجة الانطباق التام، ووصيته للأمة في أتباع الأكمل في اقتدائه وشخصيته وهو علي (ع)، فرض على الإمام (ع) أن يؤكد هذا المعنى للأمة ويذكرها به في مواجهة التعتيم التام والتزوير والتزييف المستمر لوجدان الأمة وعقلها:
- عن علي (ع): "ولقد كنت أتَّبعه اتّباع الفصيل أثر اُمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه عَلَماً، ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحِراءَ، فأراه ولا يراه غيري، ولم يَجْمَع بيتٌ واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما; أري نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوّة. ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه، فقلت: يا رسول الله! ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيِس من عبادته. (إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى)، إلاّ أنّك لست بنبيّ، ولكنّك لوزير، وإنّك لعلي خير".
- سأل عبدالرحمن بن خالد قثمَ بن العبّاس: من أين ورث عليٌّ رسولَ الله؟ قال: إنّه كان أوّلنا به لحوقاً، وأشدّنا به لزوقاً.
كما يلاحظ في هذه الروايات اقتران ضمير المتكلم - وهو النبي هنا - بعلي ، وارتباط النبوة بالإمامة وتكاملهما:
- عن رسول الله (ص): "(كنت) أنا وعليّ نوراً بين يدي الله عزّ وجلّ، يسبّح الله ذلك النور ويقدّسه قبل أن يخلق آدم بألف عام، فلمّا خلق الله آدم ركّب ذلك النور في صُلبه، (فلم يزَل في شيء واحد حتي افترقنا في صُلب عبد المطّلب، ففيَّ النبوّة، وفي عليّ الخلافة)".
- عن رسول الله (ص): "من (كنت) مولاه فعليّ مولاه ، اللهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه".
- عن رسول الله (ص): "هذا وليّ من (أنا) مولاه ، اللهمّ والِ من والاه ، اللهمّ عادِ من عاداه".
- عن رسول الله (ص): "(أنا) مدينة العلم، وعليّ بابها".
معنى التشيع الصادق
وبعد استعراض تلك المحاور وشرح معطياتها, كان التساؤل عن موقعية محبي أمير المؤمنين (ع) منه ومن نهجه النير المشرق؟
وماهية ومعنى "التشيع الصادق"؟
وكان الجواب على هذا التساؤل:
بأن ذلك يتحقق من خلال أمور هي:
1/ الورع
وهذا يعني تجنب مواطن النهي في الشريعة الإسلامية، وما أشار إليه القرآن والعترة، وهذا يتطلب العلم التام بها، وهو ما لا يكون دون الاتباع التام لهدي القرآن والعترة.
واللازمة الأساسية في كل وصية من أمير المؤمنين لشيعته هي تقوى الله، ويمكن مراجعة خطبه وملاحظة استهلالاته في خطبه بالدعوة إلى التقوى.
2/ الاجتهاد
فنحن مطالبون باستمرارية السعي وبذل الجهد، وتحسين الأداء، أفراداً وجماعات، وأن لا يداخلنا اليأس من الصلاح أو الإصلاح.
والاجتهاد هنا بالمعنى الأعم في عمارة الدنيا والآخرة:
- "من طلب الدنيا حلالا; تعطّفاً على والد أو ولد أو زوجة، بعثه الله تعالى ووجهه على صورة القمر ليلة البدر".
- "اُوصيكم بالخشية من الله في السرّ والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والاكتساب في الفقر والغنى".
- "إنّ طلب المعاش من حلّه لا يشغل عن عمل الآخرة".
3/ العفة
وهي مرحلة من أرقى مراحل السلوك، تتوخى المثالية في السلوك، واجتناب موارد الشبهة فيه، فضلاً عن اقتحام موارد الهلكة، وهو ما يعني ضرورة السعي والنظر للأفضل دائماً، وعدم الاستقرار على مستوى واحد.
4/ السداد
وهذا يتطلب المقاربة مع الأصول المرعية واللازمة، والرجوع المستمر لنبع الإمامة الصافي واستقاء التعاليم منه، ومراجعة الأداء وتقويمه، وملاحظة مدى انطباقه مع هدي القرآن والعترة، ودراسة الأسباب التي تمكن من الوصول للحقيقة بشكل صحيح وسليم.
الالتزام
فليس التشيع مناسبات وقتية أو تطبيقات مزاجية، بل حالة وميزة أصيلة في السلوك والفعل، وملكة فعالة مسيطرة على الجوانح والجوارح، تستمد رقيها من التزامها بالدين وتطبيقها له، وفق أصول المذهب وتعاليمه، وهذا أمر صعب مستصعب!
لذلك كان الإمام يشتكي من قلة ناصريه كماً ونوعاً، فودّ أن يصرف معاوية أتباع علي (ع) بأتباعه ديناراً بدرهم، فيعطيه الإمام عشرة ويعطيه واحداً، لالتزامهم بباطلهم، وتخلي اتباعه عن حقهم!
5/ الوحدة
فالوحدة من أهم معطيات الإمامة وبواعثها: "وجعل إمامتنا أماناً من الفرقة..." من خطبة الزهراء (ع).
كما أن الفرقة من أهم أسباب الفشل الحضاري على مستوى الأمة والفرد، ولذلك ذم الإمام تفرق شيعته وأنصاره كثيراً، فليس ذات الحق متعدداً مع وجود الإمام أو وجود النص القطعي دلالة وسنداً، حتى نحتمل قراءة وموقف معذّر لهم!
بالتالي يجب علينا أن نوسع القراءة والتعامل مع المشتركات على صعيد الطائفة، وكذلك الأمة، ومصلحة الإسلام في ظل الحرب المعلنة والمستمرة عليه لا تتحمل الفرقة والاختلاف، بل تدعو إلى الوحدة والتقارب ما أمكن، وهذا ما يدعو إليه كل ذي عقل منصف.
- "أما والذي نفسي بيده، ليظهرنّ هؤلاء القوم عليكم; ليس لأنّهم أولى بالحقّ منكم، ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم، وإبطائكم عن حقّي".
- "هذا ما أوصي به عليّ بن أبي طالب ، أوصي أنّه يشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله... واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا، فإنّي سمعت رسول الله يقول: "صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام"، وأنّ المُبيرة الحالقة للدين فساد ذات البَيْن، ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهوّن الله عليكم الحساب".
واجبنا تجاه الإمام في ذكرى ولادته
إن فقدان هذه الأمور، لا يعني انتفاء ماهو واجب على المكلفين تجاه الإمام، ويتجسد ذلك في:
1- حسن القراءة لشخصيته وتعاليمه.
2- الاقتداء الصادق به.
3- التعريف بموقعيته في العقيدة وحياة الأمة.
4- طاعة القيادة الشرعية للأمة: وهي العترة الطاهرة، ومن بعدهم للعلماء المؤتمنون على حرامهم وحلالهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق