21‏/01‏/2025

قيمة الكرامة بين الفهم البشري وبصائر الوحي

قيمة الكرامة آفاقها التشريعية وتجلياتها الإنسانية رؤية قرآنية

قيمة الكرامة بين الفهم البشري وبصائر الوحي

{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} 70 سورة الإسراء

مقدمة:

إن الولوج في بيان المصطلح لمفهوم عميق ومتشعب مثل الكرامة، من شأنه أن يصيب الباحث بالحيرة، من جهة زاوية المعالجة وأدوات الولوج لمفاهيمه المتضمنة التي لا تكاد تنفك عنه، بحيث يكون من الصعوبة بمكان مثلاً أن نتعرض لمفهوم الكرامة دون أن نخوض في مصطلحات الحقوق والحريات والواجبات، وسلسلة المفاهيم والقيم بمتوالياتها الافتراضية ذات العلاقة والشأن بنفس المصطلح، مثل: العزة والاستقلال ونحو ذلك من المفاهيم.
ويكفي لضرب المثل وتقريب الفكرة: أننا عندما نود التدبر والتأمل في مفهوم الكرامة الإنسانية وفق الفهم البشري لا بد لنا من أن نرى ذلك التداخل بين مفهوم الكرامة العام، وبين ماهياته المكونة له والتي تنعكس تشريعاً وأحكاماً ورؤى، أقصد بالماهيات: الحقوق والواجبات والاحتياجات الإنسانية والضمانات الأكيدة لها، وحكم العقل والضمير بها. وبين التصور والحكم المسبق الذي وضع الاعتبار لهذه المقومات وجعلها معيار وجود أو عدم لهذا المفهوم في الواقع.
فمن أي خلفية ينطلق هذا التصور والحكم والانطباع؟ هل ينطلق من عقيدة ومنظومة فكرية محددة؟ أم من توافق بشري تمّ الوصول إليه عبر التجارب البشرية المختلفة عبر التاريخ، ليختصر معاناة الإنسان في طريق التحرر والاستقلال؟
وبعبارة أخرى: من أعطى الشرعية والاعتبار المعنوي للكرامة، بغضّ النظر عن سعة مكوناتها أو ضيقها وفقاً للرؤى البشرية المختلفة مع بعضها البعض، أو المختلفة عن الرؤية الإلهية لهذا المفهوم؟ وما هي المرجعية المعتبرة والفلسفة المعتمدة عند تعارض حقين: حق العدالة بالقصاص مثلاً، وحق حفظ الحياة؟
هنا لا بد من تبني فلسفة أو رؤية شمولية تعطي الاعتبار المناسب للكرامة، بحيث يتبنى معتنقو هذه الرؤية هذا المفهوم، ويعطيها الاعتبار الوجداني المناسب، بحيث يعتبرها مقياساً لكرامته التي يذود عنها ويضحي لأجلها[1]؟
وباعتبار أن ورقتنا هذه تتناول بالتحديد معالجة (مفهوم الكرامة الإنسانية وفق الرؤية القرآنية)، ومقاربات الرؤية البشرية لها، ومفارقاتها عنها، فإنه من الضروري البحث في بعض محددات ومناطات المفهوم وفق الرؤية القرآنية، حتى نستطيع تمييز ملامح هذه الرؤية، ومعرفة موارد الاتفاق والاختلاف بينها وبين الرؤية الأخرى.
وسنعتمد هنا في تعريف الكرامة الإنسانية وفق الفهم البشري، على ما تناولته مواثيق الأمم المتحدة والهيئات والمؤسسات العالمية الحقوقية، وفق آخر نصوصها وتفسيراتها المعتمدة، باعتبارها آخر ما توصلت إليه الثقافة الإنسانية عبر مخاضاتها الفكرية والاجتماعية والسياسية الصعبة، وأكمل تصور (معاصر) حتى الآن، صاغه ذوي الاختصاص من المفكرين والحقوقيين في العالم بجميع مشاربهم وأذواقهم وخلفياتهم الفكرية والاجتماعية والعقدية.

الكرامة لغة:

"كُرُمَ فلان كرماً وكرامة، إذا أعطى بسهولة وجاد (جاد يجود جوداً) فهو كريم.
وكُرُم الشيء: عزَّ ونُفُس.
وكرم السحاب: جاد بمطره، وكرم المطر كثر ماؤه، وكرّم فلاناً: أكرمه، وفلاناً: فضله.
الكرامة هي الشرافة، وكرامة النفس ترفعها وتصوّنها، والكرامة كون الشيء عزيزاً، وتكرّم فلان عما يشينه ترفّع وتصوّن، وتكرم الرجل على صاحبه قدم له شيئا من كرمه دون انتظار مقابل. والكريم هو السخي المعطاء وهو الصفوح السمح .
وفي كتاب التعريفات: الكرم هو الإعطاء بسهولة، والكريم من يوصل النفع بلا غرض، فالكرم هو إفادة ما ينبغي لا لغرض، فمن يهب المال لعوض جلباً للنفع أو خلاصاً عن الذم، فليس بكريم.
في كتاب الكليات: رزق كريم، أي كثير، وقول كريم، أي سهل لين، وقد يطلق من كل شيء على أحسنه[2]".

الكرامة في القرآن:

"ورد في سورتي الإسراء والفجر، فعل (كرَّم) و (أكرم)، في السياقين التاليين:
قال تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضّلناهم على كثير ممَّن خلقنا تفضيلاً).
وقال تعالى: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربُّه فأكرمه).
وردت في القرآن الكريم هذه الدلالة في سبع آيات تنبني على الفعلين "كرَّم" و"أكرم"، بينما تكررت صفة "الكريم" في القرآن ثلاثا وعشرين مرة، ووردت بصيغة النعت ثلاث مرات، ووردت بصيغة الجمع ثلاث مرات، وبصيغة التفضيل مرتين، وبصيغة المصدر (الإكرام) مرتين، وبصيغة اسم المفعول ثماني مرات .
وفي هذه السياقات جميعاً لا تخرج الدلالة القرآنية للكرامة عن إطار المعاني الثلاثة، التشريف، والتفضيل، والتذكير بالإنعام الإلهي، مما يرسخ في الوجدان أن الكرامة أصل أصيل في النوع البشري، وهي عنصر رئيس في تركيب الطبيعة الإنسانية منذ أن خلق الله آدم. فالدلالة القرآنية إذن، تؤكد بشكل قاطع، أن الكرامة الإنسانية هي من الفطرة، وأن لا تبديل لفطرة الله التي فطر الناس عليها"[3].


ملامح مفهوم الكرامة في القرآن:

الأصالة:

إذ تعتبر الكرامة هبة إلهية وفيض رباني، أنعم به تفضلاً وتحنناً رب القدرة والجلال، ونظراً لهذه الجنبة الإلهية في هذا المفهوم في خلق الإنسان ووجوده، تعتبر الكرامة مكوّن أصيل في الوجود الإنساني وماهيته.
ويمكن التمييز بين ما هو أصيل وبين ما هو من المكملات أو المحسنات أو الإضافات، بالتعامل مع المفهوم دون هذه الجنبة، لندرك وبوضوح أن هذا التشريف الإلهي هو الأصل التشريعي والقيمي لهذا المفهوم، وبدونه يفقد أصالته، ويصبح عرضة للاجتهادات في وجوده وعدمه، أو تعظيم أهمية ما لا  يستحق، وإهمال ما يجدر مراعاته.
إن الوجود الإنساني مدين للقدرة الإلهية التي أفاضت عليه من نفحاتها، فأبرزته إلى عالم الخلق، بعد أن كان في عالم العدم، وهو في جوهره – أي الوجود – يحتوي تشريفا إلهياً لهذا الجنس من المخلوقات، اختصه به الباري عز وجل لهدف أسمى وعلة أكمل، وهو تجلي مظهر العبودية الحقة لله، ومن أجل تحقيق هذا الهدف وفق هذه الرؤية، كان مفهوم الكرامة أصلاً أصيلاً وركناً مهماً في التشريعات والقيم الدينية.
ويمكننا في هذا الصدد الاستفادة من اقتباس رأي العلامة الطباطبائي (ره) في مورد تمييزه بين معنى التكريم والتفضيل في الآية الكريمة "ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً" حين أشار بقوله:
"ولقد كرمنا بني آدم": المراد بالتكريم تخصيص الشيء بالعناية وتشريفه بما يختص به ولا يوجد في غيره، وبذلك يفترق عن التفضيل، فإن التكريم معنى نفسي، وهو جعله شريفاً ذا كرامة في نفسه، والتفضيل معنى إضافي وهو تخصيصه بزيادة العطاء بالنسبة إلى غيره مع اشتراكهما في أصل العطية".

الجوهرية:

فالكرامة مفهوم مؤسس لمعنى الإنسان وجوهره، ومعبر عن ذاته ووجوده، ولا يمكن التفكيك بين ذات الإنسان ووجوده وبين كرامته، والفطرة النقية والعقل السليم لا يمكنهما تصور الإنسان بدون هذا المفهوم، ولذا يعتبر العقلاء كرامة الإنسان المظهر الأجلى للإنسانية، وبدونها لا يمكن تعريفه بالإنسان، ولهذا أيضاً يعتبر الإنسان مسألة الكرامة مسألة مساوية لوجوده، وهو لذلك مستعد للتضحية بوجوده الجسدي وممتلكاته المادية من أجل كرامته المعنوية والاعتبارية التي لا تتحقق إنسانيته بدونها.

الشمولية:

إذ أن خطاب التكريم في القرآن لـ (بني آدم)، موجه لكل البشر دون تحديد جنس أو عرق أو دين، وواقع وأصل خطاب التكليف الإلهي بالتوحيد الصرف والعبودية الحق موجه لكل إنسان دون تخصيص بزمان أو مكان، أو لهجة أو لسان، أو عرق أو لون، وقد أعطي جميع البشر هذا التشريف الذي يعني أصالة التكليف المتنجز في حقه بوجود قابلية التطبيق ويسر الحصول على أدواته وآلياته، وواقعية أحكامه وتشريعاته، ولذا فإن الأصل في الإنسان هو هذا التشريف الإلهي له، ويجب المحافظة عليه تشريعاً وقيماً وسلوكاً وأخلاقاً، لا على نحو الجبر والقهر، بل على نحو الاختيار والمسؤولية.

المقاصدية:

تلعب الكرامة دوراً مهماً في التشريع الإسلامي ومنظومته الأخلاقية ومبادئه الفكرية والعقدية.
فهي تمثل محوراً مهماً وأساسياً لجملة من التشريعات والقيم، وأحد مقاصد الشريعة الغراء الأسنى، وهي معيار فاصل ومناط وجود وعدم لكثير من الأحكام الشرعية والأخلاق الإسلامية.
فالكرامة إما أن تكون منشئاً لحق، أو هدفاً لتشريع، أو غاية لخلق، أو مناطاً لحكم، وبذا تحتل الكرامة قصب السبق في علل الأحكام والتشريعات، بل يمكن القول أن منظومة الأحكام الشرعية في مجملها، تهدف إلى الحفاظ على هذا التشريف الإلهي المعنون بالكرامة، ومراعاة لوازمه من الواجبات والحقوق المستحقة للإنسان.
ذكر الشاطبي في موافقاته بعنوان "في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة"، قال: "تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق. وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون ضرورية.
والثاني: أن تكون حاجية.
والثالث أن تكون تحسينية.
فأما الضرورية: فمعناها أنها لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج، وفوت حياة وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين.
والحفظ لها يكون بأمرين:
أحدهما: مايقيم أركانها ويثبت قواعدها. وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود.
والثاني: مايدرأ عنها الاختلاف الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم"[4].


هل الكرامة تشريف إلهي أم استحقاق بشري؟

من الأمور المهمة في دراسة مفهوم الكرامة الإنسانية معرفة منشأ وأصل هذا المفهوم، وبواعث وجوده واستمراره، ومن هنا كان هذا السؤال الجوهري: هل الكرامة الإنسانية تشريف إلهي منوط بقيم مثلى؟ أم توافق بشري تمليه احتياجات واستحقاقات مادية صرفة؟

الكرامة تشريف إلهي:

من يتأمل هذه الآية الكريمة (ولقد كرمنا بني آدم)، يعلم جلياً مدى دخالة الكرامة في أصل الخلق، حيث تجلى في صورته المادية في (أحسن تقويم)، وفي جهته المعنوية برقي مستوى الهدف والرؤية (عمارة الأرض وخلافة الله).
ومن علائم التشريف الإلهي للكرامة الإنسانية، كون نقيضها وهو (الهوان) بيد الله عز وجل ومن مختصات مشيئته: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء) سورة الحج : 18
وتكتمل هذه الرؤية القرآنية في مسألة الكرامة الإنسانية وإثبات أهميتها ومكانتها، بالتصوير القرآني المتقن للتفضيل الإلهي ليس على مستوى الوجود المادي والمقدرات الكونية فحسب، بل ترسم مساراً أصيلاً لفهم نطاقات هذه الكرامة، حيث يأمر  الله عز وجل ملائكته بالسجود لآدم (ع)،وتبدأ عندها أول شرارات المواجهة الحتمية بين النموذج الإلهي للكمال والحق، الذي زيّنه وتوّجه بكرامته، واختصه بهداه وتطبيق شريعته، وارتضاه تجلياً لوحدانيته واستحقاق عبادته عز وجل، وبين النموذج الشيطاني القطب الآخر في تلك المواجهة الابتلاء، حيث يكون للرمزية دورها في هذا الصراع، ويكون لكل اختيار للحق أو الباطل، شخصيته الاعتبارية الرمزية، التي يترسم خطاها ويلج مساربها ويتبنى مواقفها: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً) سورة الإسراء : 61-62

علائم التشريف الإلهي:

1- النفخة الربانية والنفحة القدسية.
2- اصطفاء الجنس البشري (أحسن تقويم)، واختيار أشرف المخلوقات منه (الرسول وأهل بيته الأطهار عليهم السلام).
4- تشريفه بميزة العقل والتي تتفرع منه أهم قيمتان: المسؤولية والحرية. وبحيث يكون العقل مناط التكليف وركيزة التأسيس.
5- تسخير مقدرات الوجود للإنسان.
6- عمارة الأرض بالرقي المعنوي والتحضر المادي كعلة للخلق.

موارد موافقة التكريم الإلهي والبشري:

الإتفاق على تأمين الحاجات والحقوق للبشر على قدم المساواة بغض النظر عن الجنس واللون والدين والعرق.

موارد مفارقة التكريم الإلهي عن البشري:

إن الكرامة الانسانية في الفهم البشري، تبحث في حقوق الانسان في اطار الصراع مع الآخر، أو تحديد علاقاته به.
أما في القرآن فيبحث هذا المفهوم لاستحقاقه الذاتي، وإطاره المعنوي، المبتني على أساسات العقل والحرية والمسؤولية في فهم علة وغاية الخلق وطاعة الخالق.


مرتكزات ومقومات الكرامة الإنسانية:

الاستقلال والاكتفاء الذاتي:

إذ بدون هذه المفردة المهمة لا يتحقق معنى أو وجود ناهض بأعباء الكرامة الإنسانية ومتطلباتها، والكرامة الإنسانية بما هي مفهوم متطلب للاستقلال والاكتفاء الذاتي، فهي بذلك تلعب دور المحرض والمؤسس لقيمة الاستقلال والاكتفاء الذاتي، وهي بمفهومها الشمولي تحرص على عدم ارتهان الإنسان لاحتياجاته، والحفاظ على حقوقه، وتناهض من يستغل ذلك لاستتباع إرادة الإنسان وقهر عنفوانه وإذلال كرامته، وتولد في الإنسان طاقة فعالة ديناميكية تولد فيه حيوية لا متناهية لتحصيل احتياجاته وضمان متطلباته وحقوقه، في تكامل مع مفردات المجتمع ومكونات الوجود، لإعمار الأرض وإصلاح المجتمع.
ومن هنا كان التأكيد على قيمة العمل واقترانه بالإيمان بشكل عام، وتوليد العزة والأنفة الدافعة للاستقلال والاكتفاء الذاتي الكفيلة بتحصين الكرامة بدورها، في تفاعل ديالكتيكي جدلي مستمر، ويؤكد هذا المعنى الخبر المأثور: "أحسن إلى من شئت تكن أميره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره".

العزة والمنعة:

إن نظرة القرآن الكريم للإنسان في البعد الحقوقي والتشريعي، تؤصل لهذه الحقوق عبر تثبيت مبدأ عظيم ومهم هو: مبدأ العزّة.
فالكرامة الإنسانية تعتمد على هذا الاعتداد المحمود بالذات، والعزة الإيمانية، والصلابة الاعتقادية، فهي بمثابة الخيط الناظم لهذه القيم المكونة لمبدأ الكرامة الإنسانية، ودرعها الحصين الذي يحميها من عوامل التذويب والانصهار والانسحاق، أمام الضغوط المختلفة من بواعث الهوى وحب الذات وخطرات النفس، أو خطر الميوعة الفكرية والأخلاقية، أو الانهزام النفسي في مواجهة الأعداء الذين يريدون استرقاق الفكر قبل الجسد، والروح قبل الوطن.
إن العزة صفة من صفات الله وأسمائه الحسنى، بل هي صفة اختصها الله بذاته دون غيره، ناهياً عن توهم العزة عند غيره:
{الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا} (139) سورة النساء
{وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (65) سورة يونس
ولكن القرآن يضفي هذه الصبغة والصفة للرسول (ص) والمؤمنين في هذه الآية: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} (8) سورة المنافقون، ليبين أن العزة وإن كانت من صفات الله ومختصاته، إلا أنه عز وجل يهبها لمن جاهد في سبيله، وأحسن طريق تحصيلها من مظانها، وهو أن يطلب العزة بالله، ومن الله، ومن يحرم هذه العزة فبسبب تهاونه بحق نفسه فرداً أو مجتمعاً.
"إن القرآن الكريم حينما يؤصل هذين المبدئين "الكرامة" و "العزة". فإنه لا يكتفي بوضع المفهوم الكلي النظري، وإنما يثير في الإنسان شعوره بكرامته وعزته ويسن له من الأحكام العملية التفصيلية التي تتعلق بكافة شؤون الحياة مما يجعل تحقيق هذه المبادئ أمراً واقعاً"[5] خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم. د. فتحي الدريني. ص 108.

الوعي الشمولي بالرسالة الإلهية وموقعية الإنسان فيها:

إن وعي الإنسان بدوره وموقعيته في الرسالة الإلهية، ركيزة أساسية في مفهوم الكرامة الإنسانية، حيث أن الكرامة ببعدها الإيجادي الإلهي، وبعدها التطبيقي الحقوقي، المساهم في تحصين مفهوم الكرامة، يحتاج إلى وعي شامل وعميق بهذه الموقعية الأصيلة في الرسالة الإلهية، واستكناه الهدف الرئيس للوجود والخلق، بحيث يكون  الإنسان على بصيرة ورؤية متكاملة، في مزالق الخطر والإغراء، أو مهاوي الضغوط والتهديد.

العدل والمساواة في الحقوق والواجبات:

مع تأطيرها بالبعد الوظيفي (دور الرجل والمرأة وفق بنيتهما الفيزيولوجية وقدراتهما العقلية وطبائعهما العاطفية) والإطار التكاملي (تكامل الجنسين، والشرائح الاجتماعية) والمنظومة العقدية في مستوى التشريع والتطبيق.
وحقوق الإنسان في دولة الإسلام هي حقوق عامة تتناول المسلم وغير المسلم في كنف الدولة الإسلامية، حيث ينعم الجميع بالضمانات الاقتصادية والاجتماعية، وينقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) أنه مر بشيخ مكفوف كبير يسأل، فقال أمير المؤمنين: ما هذا؟ فقيل له: يا أمير المؤمنين إنه نصراني! فقال الإمام: استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه! أنفقوا عليه من بيت المال[6].

العقل والحرية والاختيار:

فهذه الركائز الثلاثة ذات العلاقة الجدلية المتداخلة، أهم ركائز الكرامة، فأبرز سمات الهبة الإلهية التي يتحقق بها معنى التشريف والتكريم، وأهم مناطات المحاسبة الإلهية، هي توفر هذه الركائز الثلاث، إذ بدون عقل بصير، وحرية مسؤولة، ينتج عنهما حق الاختيار الرشيد، يرتفع أساس المحاسبة ومعيار المفاضلة. ومعظم الحقوق والتشريعات المرتبطة بمفهوم الكرامة تركز على صيانة هذه الركائز، لأنها صمام أمان وجودها.

العدل:

بما يعني التفاضل وفق أسس التنافس الإيجابي في اكتساب القيم والمثل، فمفهوم الكرامة الإنسانية رغم احتوائه لمفهوم المساواة، لم يغفل أيضاً قيمة أخرى ومفهوم هام هو العدل والإنصاف، ومقتضى حكم العقل ومجريات الواقع: هو تفاوت قدرة الفرد في اكتساب القيم، وتمايزه في درجات الالتزام.
ومقتضى العدل هنا: إيجاد معايير ومقاييس تفاضل منصفة وعادلة، بحيث تكون هذه المعايير اكتسابية وليست قهرية، وقابلة لقياس التفاوت شدة وضعفاً حسب قدرة وعطاء الإنسان وبذله وجهده، وأن تكون من منظومة القيم الإيجابية المحرضة على العطاء والبذل، والمساهمة في إعمار الأرض وإصلاح البشرية[7].
من هنا فإن هذه الباقة من الآيات القرآنية التي توضح بعض معايير التفاضل، تبيّن وبوضوح ما نرمي له من هذا المرتكز الأساس في مفهوم الكرامة البشرية:
التقوى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " سورة الحجرات:13.
الجهاد والإنفاق: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} سورة النساء: 95
{وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (10) سورة الحديد
العلم: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (9) سورة الزمر
{وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} (28) سورة فاطر
الإحسان والعمل الصالح: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ} (58) سورة غافر


علاج التعارض الظاهري بين التكريم وصفات الإنسان السلبية:

وقد يرد إشكالٌ هنا: وهو كيف نتعامل مع مجموعة الآيات الكريمة، التي تصف الإنسان بصفات سلبية، قد تناقض مفهوم التكريم والشريف، مثل:

الضعف:

{يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} (28) سورة النساء

اليأس والكفر:

{وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} (9) سورة هود
{وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} (34) سورة إبراهيم
{وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ} (66) سورة الحـج
{وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا} (67) سورة الإسراء
{وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا} (83) سورة الإسراء

العجلة:

{وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً} (11) سورة الإسراء
{خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} (37) سورة الأنبياء

البخل:

{قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا} (100) سورة الإسراء

الجدل:

{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} (54) سورة الكهف

الإخلاد إلى الأرض:

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ} (12) سورة المؤمنون
{وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. (176) سورة الأعراف

جواب الإشكال:

أن الآيات هنا أيضاً تنقسم إلى قسمين:
قسم يوضح القابليات البشرية للانحراف، ضمن استحقاق الابتلاء والامتحان، المؤدي لجدارة التميز والتفوق والنجاح، في مواجهة الباطل، على صعيد الذات أو الواقع الخارجي.
وقسم آخر يؤطر استحقاق الكرامة الإنسانية بالعمل الصالح، مستخدماً وسيلة التذكير بإرهاصات الخلق، التي تنبه الإنسان إلى ضرورة الامتنان لله وشكره على نعمه وتشريفه، وعدم الاستسلام للعجب بالذات، فتقرر الكرامة للإنسان فقط في مسار التقوى والعلم والطاعة والجهاد، وتقرر الهوان لمن ارتكس في هواه، والتمس الضعف في مكامن نفسه، وأخطأ طريق الصواب حين عوّل على المنة الإلهية، ونسبها لنفسه وأنكر خالقه.
إن القرآن عندما تناول تكريم الإنسان، فإنما عبر بذلك عن الصورة المثلى والقالب الإلهي الأكمل الذي أراده الله للإنسان، وقام بتهيئة الأسباب والإمكانيات للوصول إليها، من عقل مستنير، وفطرة سوية، وكونٍ مسخرٌ بأفقه الواسع ومقدراته الهائلة لخدمة الإنسان.
وعندما يقرر القرآن في آيات أخرى تلك الصفات السلبية للإنسان، فإنما يؤطّره بمكامن الضعف والعجز البشري التي لا تنفك عنها طبيعة الإنسان، وفي سياق التحذير والتنبيه أن تستبد به هذه الثغرات عن بناء جسر التواصل مع الحقيقة الكاملة والعلية، وأن لا تحجب هذه الحجب النورانية والظلماتية عنان نور العلم وشعاع البصيرة النافذ، فتحول دون القراءة الواعية والفهم المتكامل لحقيقة الإنسان ودوره وموقعيته ضمن منظومة الخلق من جهة وسياق العلل الفاعلية والغائية للكون والخلق من جهة أخرى، وتحول دون تبصرة جوهر الحق في القيم الإلهية المنشودة، التي هي بدورها رشحات نورانية للشريعة المقدسة والكلام المنزل من رب العالمين عز وجل.
إن سياق آيات التكريم مع ملاحظة عائدية الضمائر، تبين وتوضح أن الله سبحانه وتعالى هو المنعم والمتفضل بذلك، بينما الآيات التي تذكر الصفات السلبية مع ملاحظة عائدية الضمائر وأدوات وأفعال النسخ والتوكيد، تظهر أن التركيبة المادية للإنسان في صراع العقل والهوى، والقيم والشهوات، من شأنها أن تدفع بالإنسان إلى هذا المستوى، ولكن ليس على نحو القسر وسلب الاختيار، بل على نحو العادة والتعود.


الكرامة الإنسانية وفق الفهم البشري:

مناشئ وأصول مفهوم الكرامة وفق الفهم البشري:

تعددت نظريات أصول حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية عبر التاريخ، وحسب اختلاف المدارس الفكرية والعقائدية، ومن هنا كانت هذه المسألة من نقاط المفارقة بين بصائر الوحي والفهم البشري لمفهوم الكرامة الإنسانية، ونقصد بذلك الاختلاف على مستوى الباعث والمنشأ، حيث أن النظرة القرآنية أكثر شمولية في المفهوم، بحيث تستوعب البواعث المادية والاستحقاقات الاجتماعية والمتطلبات الواقعية من جهة، وفي نفس الوقت تجعل منشأ هذا الحق وملاكه هو التشريف الإلهي والتشريع المقدس، الذي بدوره لم يتغافل عن البعد الدنيوي والمادي، ولكنه أهتم دوماً بتأصيل الكرامة الإنسانية مرتكزاً على رافعة التشريف الإلهي والعلة المقدسة للوجود والكرامة، ليكون من أبرز معاني وتجليات التوحيد الصرف والعبودية الحقة. ويمكننا هنا أن نقتبس أهم هذه النظريات التاريخية على النحو التالي:

1/ نظرية القانون الطبيعي:

"وهي تقول بأن القانون المستمد منه حقوق الإنسان هو قانون الطبيعة، حيث أن الفرد هو أسمى من الدولة، والأفراد بطبيعتهم أحرار ومتساويين، فالطبيعة قانون أسمى من القانون الوضعي، لأنها أرادة إلهية عامة وشاملة.

2/ نظرية العقد الإجتماعي:

وتنطلق من مبدأ أن مطلق الحرية والإرادة لا تخضع لقانون أو نظام أو أي سلطة من السلطات، إنما تخضع لقانون الغاب، ولأن الإنسان أراد تخليص نفسه من هذه الشرور البدائية.

3/ نظرية المصلحة العليا للمجتمع:

فمصلحة الأفراد لا تتعارض مع مصالح المجتمع العليا، لأن هذه المصلحة تمثل مجموع الأفراد، وأن افضل وسيلة لتحقيق المصلحة العليا للمجتمع هي إطلاق حرية الأفراد وحماية حقوقهم ووضع الضمانات الكفيلة لتحقيق ذلك.

4. نظرية التضامن الإجتماعي:

وهي تنظر إلى الإنسان على أنه كائن لا يستطيع أن يعيش إلا في جماعة، ورابطة التضامن تفرض على كل فرد أن يمتنع عن كل ما يخلّ بها، وتوجب عليه أن يدعمها ويقويها، والحقوق يتلقاها بوصفه انسان ضمن الجماعة"[8].


مفهوم الكرامة الإنسانية في الفهم البشري المعاصر:

كي تكتمل الرؤية في السياق المقارن، لا بد لنا من التعرض لمفهوم الكرامة الإنسانية وفق الرؤية البشرية.

تعريف منظمة العفو الدولية:

1 ـ مفهوم الكرامة: الكرامة هي تلبية الحاجيات الطبيعية والضرورية للإنسان، ومنها: الحاجيات العضوية كالتغذية والشرب والصحة، والحاجيات الاجتماعية كالسكن والشغل والتعليم، والحاجيات الفكرية كحرية التعبير والتفكير، والروحية كحرية التدين والاعتقاد، وهذه الحاجيات مازال كثير من الناس محرومين منها.
2 ـ المبادئ المؤسسة للكرامة: الكرامة مبدأ كوني بغض النظر عن ديانة الأشخاص أو لونهم أو جنسيتهم، وهي مرتبطة بمبادئ حقوقية يتداخل فيها البعد الوطني والإسلامي والكوني. أما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فيجسد أرقى ما وصل إليه الفكر البشري في منح الإنسان المكانة التي يستحقها.
مظاهر انتهاك كرامة الإنسان: تتعدد مظاهر انتهاك الإنسان لكرامة أخيه الإنسان، فالمرأة تتعرض للإقصاء والتهميش والتعسف ويخضع الأطفال لاستغلال متعدد الأنواع، كما تبقى مختلف أصناف الإهانة والحرمان تلاحق ملايين البشر مع اختلاف أعمارهم وأجناسهم ودياناتهم في معظم بقاع العالم.
خاتمـة: تعتبر الكرامة جوهر إنسانية الإنسان وأصل وجوده، لذا وجب علينا صونها وفضح كل من يساهم في المساس بقدسيتها.

تعريف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:

حقوق الإنسان هي مبادئ في شكل صيغ، تعبر عن حاجات بشرية تلتف جميعها حول موضوع الكرامة الإنسانية، والكرامة قاعدة أخلاقية وفلسفية لحقوق الإنسان الأساسية، نص عليها الفصل الأول من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 دون ذكر مباشر لحرفية العبارة: "يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق، وهم قد وهبوا العقل والوجدان، وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء".
ويعتبر مفهوم الكرامة الإنسانية احد المنطلقات الإنسانية والتي تشمل ايضا: وحدة الجنس البشري، القيم الخلقية، جلب المصالح ودرء المفاسد، والتعارف والتواصل والتعاون على الحق ونفع البشرية.
ويعني مفهوم الكرامة الانسانية على وجه التحديد: "أن من حق كل شخص أن يعامل في علاقاته بالأشخاص الآخرين أو بالدولة على أساس أنه غاية لا وسيلة، وعلى أنه اغلى من كل شيء، وأن له قيمة قصوى".

تعريف سقراط:

الكرامة الحقيقية للنفس تنبثق من العلم الذي هو ميراثها الحق، لأنه وفق مفهومه، بات يجب على الروح التي تخلت عن محاولة فهم الكون، الهبوط إلى اعماق نفسها، كي تستنبط الحقائق الأساسية الكامنة في تلك الأعماق على شكل حالات بقوة الأمر الذي يجعل النفس قادرة على الإحاطة بالمعرفة، بدون أن تقع أسيرة للأشياء الخارجية.


مفهوم الكرامة الإنسانية في القرآن:

يرى الأستاذ محمد تقي الجعفري أن مفهوم الكرامة الأنسانية يعني "عبارة عن امتلاك الإنسان للشرف والعزة والتوفير والحيثية التقويمية".
ويقسم الجعفري الكرامة الإنسانية البشرية إلى عدة أصناف وعلى النحو التالي:
الكرامة الطبيعية الإنسانية: وهي تلك التي متع الله تعالى الإنسان بها دون استثناء، حيث يقول الله عز وجل في القران الكريم "ولقد كرمنا بني أدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا".
الكرامة الإنسانية الإلهية: وهي عبارة عن ذلك الشرف والحيثية التقويمية التي يتم الحصول عليها بالسعي الاختياري في مسير التزكية النفسية وتحصيل المعرفة وإدراك الوجود والتقرب إلى الله، حيث أن معرفة الكرامة الإنسانية أواحترامها يشكل إحدى المقدمات الضرورية لذلك. إنها تلك الكرامة العظمى التي عينها الله سبحانه فقال تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله اتقاكم".


إطلالة تاريخية على واقع المصطلح وتطوره:

الحضارة المقدونية:

·       أخذت فكرة حقوق الإنسان تتبلور منذ القرن الثامن عشر قبل الميلاد وانتهاء به بظهور مقدونيا كقوة جديدة، واستطاع الأسكندر المقدوني أن يبني من خلالها إمبراطورية وصلت إلى أوج قوتها في العهد الهيلني، وكانت معظم حقوق الناس في تلك الفترة تعدّ مباشرة من قبل السيد المالك.

الحضارة الفرعونية:

·       ذهب المؤرخون إلى أن أول صفحات التاريخ البشري المكتوب بدأت في أراضي وادي النيل الأدنى، مصر الفرعونية – حوالي 3300 قبل الميلاد، وذلك عندما أتخذت القرى الزراعية على طول النيل في مملكتين هما مصر العليا ومصر السفلى تحت حكم الفراعنة آنذاك، أخضع أهلها إلى قانون (ماعت)، وأهم ركائز هذا القانون هي: مفاهيم الحق والعدل والصدق. وبقي العمل بهذا القانون لفترة طويلة.
·       أنشئ في عهد الأسرة الثامنة عشر مجالس للبلاد تحكم بالعدالة، وتنادي بضرورة تطبيق معايير العدالة، حيث صار من حق كل فرد ضمن حقوقه الدينية أن يحفظ جثته بعد موته، خاصة وأن التحنيط لم يكن من حقوق العامة، إذ تمارسه طبقة الأمراء والملوك فقط.
·       (ثورة أخناتون) من أهم الثورات التي جسدت معايير ومفاهيم حقوق الإنسان في تلك الحقبة، فدعت إلى السلام والرحمة والتسامح ونبذ الحروب ونشر المساواة بين الناس في شؤونهم الدنيوية، ودعت إلى تحقيق العدالة للجميع من دون تمييز، وألغت التقديس المبالغ به للأسرة المالكة، بشكل أصبـح بموجبه افراد العائلة المالكة كسائر أبناء الشعب من حيث المعاملة والأمتيازات.
·       جاء في تعاليم الملك (حريكارع) أحد حكماء الأسرة العاشرة الذي أوصى بإقامة العدل ووضرورة الشعور من الاخرين في محنهم: "أحتفظ بذكراك بين الناس بحبهم فالإنسان الذي يصل إلى الآخرة من دون أن يرتكب خطيئة فإنه سوف يمكث هناك ويمشي مرحا مثل الأرباب الخالدين".

الحضارة اليونانية:

·       شرّعت الحضارة اليونانية على الصعيد الإجتماعي (نظام الرق العام، والرق الخاص) فكان للهياكل في آسيا الصغرى أرقاؤها الموقفون لها، وكانت عليهم واجبات الخدمة والحراسة، ولم يكن من حقهم ولاية اعمال الكهانة والعبادة العامة. وميّز معظم رواد الفلسفة اليونانية مثل "أرسطو" بين "القانون الطبيعي[9]" و"القوانين الوضعية".
·       اعتبر ارسطو أن مبدأ المساواة من المبادئ الأساسية التي تنضوي تحت لوائه جميع الحقوق والحريات المعترف بها للأثنين، وبهذا فأن مبدأ المساواة هذا يحتم معاملة جميع الناس بشكل متساوٍ سواء أمام القانون، أو حتى فيما يتعلق بحقوقهم السياسية والوظيفية وممارسة الحق في الرأي وحرية التعبير.
·       أرسطو ميّز في مذهبه بين أجناس البشر حيث قال: "إن فريقاً من الناس مخلوقون للعبودية، لأنهم يعملون على الآلات التي يتصرف فيها الأحرار ذو الفكر والمشيئة". ووفقاً لمفهوم أرسطو، فإن الله خلق فئتين من الناس، اليونانيون الذين يمتازون بالفعل والارادة، والبربر ذوي الطاقات البدنية التي تهيئهم لأن يكونوا عبيداً.
·       "أفلاطون" في جمهوريته الفاضلة كان يقضي بحرمان العبيد من حق المواطنة، وإجبارهم على الطاعة والخضوع للأحرار من سادتهم أو من السادة الغرباء، ومن تطاول منهم مع سيد غريب، اسلمته الدولة ليقض منه كما يشاء.
·       رأى "بلوتارك" أنه في "بلاد الأغريق كان يساء إلى العبيد أشد الإساءة.... وأن الحر منها أكثر حرية، في حين كان الرقيق أشد استرقاقاً).
·       المدرسة الكلبية: مع ظهور المدرسة الكلبية، أندحر الفكر الأرسطي التمييزي المنادي بالعبودية وإسترقاق البشر، وجاءت هذه المدرسة تندد بالكثير من الممارسات الشنيعة والمتعارضة مع جوهر الكرامة البشرية، ودعت إلى ضرورة إلغاء مثل هذا الفكر، وإقرار مبدأ المساواة بين جميع أفراد المجتمع. إن فكرة حقوق الإنسان كانت تنتقص للجوهر والوجه الذي تعرف به اليوم في العصور الأغريقية القديمة، حيث كانت هذه الحقوق لا تشمل الفئات الإجتماعية الأخرى من غير اليونان، فجاءت المدرسة الكلبية لتخفف من حدة التطرف الفكري والفلسفي اليوناني تجاه مسألة حقوق الإنسان.
·       المدرسة الرواقية (430 – 490 ق.م): من أهم مبادئها على الإطلاق، مبدأ الأخوة والذي يقضي بأن جميع البشر إخوة، وألغت ظاهرة العبودية والسيد والعبد، وتنظر إلى أن جميع البشر أخوة مهما تباينت أصولهم وأجناسهم ولغاتهم، وإخضاعهم إلى قانون واحد هو القانون الطبيعي الذي لا يجوز أن يخالف من قبل نصوص القانون الوضعي.
·       وذهب الرواقيون إلى أبعد مما سبق، حيث رأوا بأنه من غير المسوغ تحديد المواطنة بمدينة أو شعب معين. وأعتبر الرواقيون الإنسانية جمعاء أسرة واحدة، مهما أختلفت شعوبها ومواطنها، وأن الإنسان يولد حرا في منظور قانون الطبيعة العادل، وأنه لا يجوز في أي حال من الأحوال مخالفة القوانين الإنسانية لنواميس الطبيعة وقوانينها.

حضارة بلاد ما بين النهرين:

·       في بلاد الرافدين كانت هناك حضارات أرست أقدم القوانين، التي تهدف لحماية الإنسان ووجوده، وأشهرها على الإطلاق هو "قانون حمورابي" الذي يعود إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد.
·       برغم قيمته القانونية، لما تضمنه من تأكيدات على بعض حقوق الإنسان وصون كرامته، وكبح شهوات طغيان السادة والحكام، غير أن عيوب ونواقص كثيرة كانت موجودة في هـذا القانون. وتميّز هذا القانون بإقرار قانون الثأر الذي يتنافى مع مبادئ العدالة وجوهر الإنسان، ومبدأ العدالة الفردية، ومبدأ ملكية الأرض من قبل شخص واحد هو الملك، وتشدد في فرض العقوبات القاسية التي تتنافى مع الطبيعة البشرية، فأجاز قتل الأبن بدل أبيه، وهو ما يتنافى مع مبادئ حقوق الإنسان والعدالة والشرائع السماوية.
·       الحضارات العراقية القديمة مثل البابلية والسومرية، أحتفظت بإرتباط وثيق بين التعاليم الدينية والنظرة إلى الإنسان وحقوقه وأشهر ما وصلنا من قوانيين تخص حقوق الإنسان في العصور القديمة شريعة (لبيث عشتار) وشريعة (حمورابي) الذي حكم الدولة البابلية من عام 2067-2025 ق.م.

الحضارة الرومانية القديمة:

·       أهم ما يميز الحضارة الرومانية إقراراها بمبدأ الديمقراطية، حيث قامت بإسمه الثورات التي لعبت دورا فاعلا فيما بعد بولادة معظم المواثيق والعهود الدولية وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في القرن الثامن عشر.
·       لم يكن الحال عند الرومان بأفضل منه عند اليونان، فقد انتشر الإسترقاق بينهم من غير تفريق بين ما كـان رومانياً أو أجنبياً فكانـوا يملكونهم إما بحرب أو شراء أو إختطاف.
·       تعتبر الألواح الاثني عشر من أقدم أثار الحقوق الروماني، وقد وَضعت في أواسط القرن الخامس قبل الميلاد للنضال بين العوام والخواص، فحلت محل حق العرف والعادة الساري المفعول في روما قبل ذلك، وعكست هذه القوانين التمايز الطبقي والإجتماعي في نسيج المجتمع الروماني القديم، على أساس الملكية وتطور نظام الرق ونشوء دولة مالكي العبيد، وكتبت القوانين على أثني عشر لوحاً.
·       تجاوزت فظائع إنتهاكات حقوق الإنسان في العصر الروماني كل أشكال الظلم والقهر التي شهدها الانسان في الحضارات الاخري. وكان الرقيق في العهد الروماني شيئا لا بشراً، لا حقوق لهم، وكان سبب غزو الرومان لغيرهم هو لمجرد استعباد سكان الأقاليم التي تقع تحت إحتلالهم، وكان القانون الروماني يقسم الناس إلى وطنيين وأجانب، والأخيرون في الأصل أعداء، وهم سكان البلاد المجاورة لهم، والتي تقع على الضفة الأخرى للنهر. وكان القانون الروماني يقسم العالم إلى ثلاث ديار، هي: دار الوطنيين، ودار الأعداء، ودار المعاهدين والمحالفين.
·       طبّق الرومان مبادئ مدرسة القانون الطبيعي، من نتاج الفكر الفلسفي اليوناني، التي ترى وجود قوة عليا تنفرد بوضع القوانين الضابطة لحركة هذا الكون، وأهم المبادئ التي نادى بها القانون الطبيعي تلك الخاصة بالمساواة والتي لا تميّز بين المواطن والأجنبي، والحر والعبد، من حيث الحقوق والواجبات. وذهب معظم المفكرين والفلاسفة إلى أعتبار القانون الطبيعي مصدرا أساسياً للحقوق الثابتة للأفراد، ووصفه بعضهم بأنه جزء من القانون الإلهي، ولكن القانوني الهولندي (هوغو غروشيوس) (1583- 1645) قام بعملية فصل بنى القانون الطبيعي والقانون الإلهي، وجعل الأول مصدراً أساسياً للقوانين الدنيوية، الذي أرتأى أنها تقوم على المنطق والعقلانية، وانتهى (غروشيوس) إلى أن كل ما يتفق مع طبيعة الأمور شرعي عادل، وكل ما يحالفها غير شرعي وباطل.
·       تعرف قواعد القانون الطبيعي على أنها "مجموعة القواعد القانونية الآمرة التي يفرضها المنطق السليم والتي تجد أساسها في الأخلاق أو الضرورات الأخلاقية". وقد مهدت أعمال غروشيوس المناخ للمفكرين والفلاسفة للنظر إلى حقوق الإنسان وشرعيتها بإعتبارها حقوقا طبيعية، وكان لفكرة القانون الطبيعي أنعكاساتها في مجموعة قوانين الإمبراطور البيزنطي "جو ستنان"، وهذا يظهر جلياً في بعض النصوص التي تنادي بالدفاع عن الرقيق العامل في بيت صاحبه، وتلك التي تقف إلى جانب الحرية.
·       في سياق تطور حقوق الإنسان في الحضارة الرومانية، تأثرت الفلسفة الرومانية بالفلسفة الرواقية من حيث (مطالبتهم بعتق العبيد وتعاطفهم مع الفقراء والمساكين، وقد انتهج الخطيب الروماني شيشرون نفس النهج الرواقي، وتبنى القانون الطبيعي، وأكّد على أن الناس أمة واحدة يستوي أفرادها في نظر الطبيعة).
·       لا زالت الدول الغربية تستخدم مبادئ نظرية القانون الطبيعي للتدخل في حماية حقوق الإنسان في كثير من أنحاء العالم، فاستخدمت هذه النظرية ضد الدولة العثمانية في عام 1828 في اليونان، وفي عام 1876 في بلغاريا، ومع ذلك كان هذا مؤشرا على أعتماد الدولة لحقوق الإنسان، بمفهوم ذلك الوقت سنداً للنضال ضد الإستبداد السياسي، وهذا ما دعا (موريس كرانستون) إلى القول بأنه (فجر الاستبداد في الإنسان الدعوة لحقوقه، التي أنكرت عليه سواء أكانت طبيعية أم إنسانية).

الحضارة العربية قبل الإسلام:

·       على الرغم من إدعاء البعض بأن للعرب في العصر الجاهلي دورا في المساهمة الحضارية في تطوير فكرة حقوق الإنسان، إلا أن العرب لم يهتموا بهذا الجانب بشكل فكري وفلسفي".
·       وربما كانت ممارساتهم في الغالب الأعم تتفق والمفهوم العام لحقوق الإنسان، وذلك لمجرد السمات السلوكية التي كانت تفرضها عليهم، طبائع الإنسان العربي، والأصالة المتجذرة في الدم العربي منذ القدم.
·       سجلت الذاكرة التاريخية أن وثيقة "حلف الفضلين" من أقدم الوثائق التاريخية التي أهتمت بحقوق الإنسان، حيث كانت هذه الوثيقة قبل مجيء نبي الإسلام محمد (ص). ومما لا شك فيه أن الوثيقة جسدت أهم الحقوق للمواطنين الذين كانوا يقطنون شعاب مكة، ووضمت أسس ومعايير للإبقاء على مقاهيم ومعاني السلام والعدالة والمساواة بين جميع أعضاء المجتمع المكي. في هذا السياق تورد الباحثة "هبة عزت" بأنه (لم يجيء حلف الفضول في مكة ما قبل الإسلام، عندما أتفق أعيان مكة على حماية الزائر والغريب من الظلم في بلدهم نتيجة لقانون مدني موضوع، بل استجابة لرؤية متغللة في الضمير لأصول التعامل والتبادل).
·       تجسد هذا التطور لمفهوم حقوق الإنسان على يد الإنسان العربي القديم بولادة ما يسمى "بصحيفة المدينة" والتي جاءت لتراعي حقوقا وواجبات خاصة لأطراف الوثيقة وخصوصاً لليهود، والتي بموجبها أضحى اليهود جزءً من النسيج الإجتماعي العام، تضمن لليهود حرية الدين والإعتماد، وكل المكتبات في الملكية والإقتصاد.
·       تشير الوثائق التاريخية أن الحضارة العربية الكنعانية في فلسطين عرفت مفاهيم متقدمة في العدالة والمساواة وحفظ الحقوق، وكان ملوك تلك الحقبة يمتلكون المسؤولية تجاه حفظ وحماية حقوق الإنسان، وفي هذا الصدد كانت "المدن الكنعانية: بيد ملوك صالحين يقضون بالعدل ويحفظون حقوق الارامل واليتامى، وأقرت هذه الحضارة العربية العظيمة بمبادئ هامة وهي الحق في توريث العرش، والمشاركة السياسية في الشوؤن العامة المشتركة".
·       سجلت ذاكرة التاريخ العربي القديم شاهدين حيين على المساهمة العربية في مسيرة تبلور مفهوم حقوق الإنسان، وهما وثيقة الفضلين وصحيفة مكة، وتعد من أهم الوثائق التاريخية على صعيد حقوق الإنسان، ليس فقط على مستوى العالم العربي القديم، وإنما على المستوى الدولي والإنساني. فوثيقة الفضلين تحتوي على مبادئ تضمن للإنسان كرامته وحريته وترقى في جوهرها إلى "الماجناكارتا" أو "العهد العظيم" الذي شهدته أنجلترا ولا زال العالم يتغنى بها حتى يومنا هذا.

الحضارة الغربية:

·       مع بداية عصر النهضة في القرن الثالث عشر الميلادي، صدرت في إنكلترا وثيقة (الماجنا كارتا) في عام 1215، على أثر ثورة عارمة معادية لطغيان الملك، ونصت (الماجنا كارتا) الناس على وجود محلّفين، وعدم سجن أي شخص أو القبض عليه بغير سند قانوني. ومن الواضح أن روح الماجنا كارتا كانت غير مباشرة، وكانت موجهة لشعب واحد، ولم تضع أسس لتعاون عالمي يجمع أديانا وسلالات مختلفة كما كانت صحيفة المدينة مثلاً، وتختلف صحيفة المدنية عما سبقها أو لحق بها من الوثائق أنها تجعل حقوق الإنسان وواجباته مرادفة للإيمان مخالطة للعقيدة، وليست مجرد قانون تفرضه السلطة الحاكمة، ذلك أن مراعاة هذه الحقوق والواجبات هي سلوك عام يتناول علاقات الأفراد ببعضهم، وعلاقاتهم مع أسرهم وأطفالهم والمجتمع بصورة عامة.
·       دعا (توما الأكويني) (1225- 1274) الذي ظهر كرجل دين في الدومينيكان، إلى التأكيد على فكرة الوظيفة الاجتماعية للملكية الخاصة، بمعنى التزام المالك بأن يدفع بملكيته مجتمعة الذي ينتمي إليه، وارتاى الأكويني، أن الإنسان مخلوق اجتماعي وسياسي في آن واحد معاً، وأن أهداف الحكومة (أي حكومة) هو تأمين الخير العام.
·       عريضة الحقوق التي أرسلها البرلمان الإنكليزي إلى الملك (شارل الأول) في عام 1628، والقانون الإنكليزي للحقوق 1689 بشأن حقوق الإنسان، تضمنت كلٌّ منها خطوات أخرى باتجاه مزيد من التبلور ومزيد من الضمانات.
·       تعتبر مساهمات (جون لوك) و (فولتير) و (مونتسكيو) و (زوز) بارزة في مجال تمهيد الطريق أمام الاعتراف بحقوق الإنسان، فقد قال الفليسوف الإنكليزي (جون لوك): "إن الإنسان كائن عقلاني، وإن الحرية لا تنفصل عن السعادة". وأكد "أن غاية السياسة هي البحث عند السعادة التي تكمن في السلام والإنسجام والأمان، وهي رهن بتوفر الضمانات السياسية".
·       مرت المسيرة البشرية نحو تأكيد حقوق الإنسان بمراحل كثيرة منها الثورة الأمريكية (1776)، والثورة الفرنسية (1789)، وآخر تلك المراحل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1949م.
·       لا بد من الإشارة إلى أن الموجه لكل من الثورة الإنجليزية (ثورة عام 1688م، وصدور قانون حرية التعبير في 1695م) والثورة الأمريكية عام 1776م، والثورة الفرنسية عام 1789م، كان: القانون الطبيعي ومدرسته الشهيرة. ويرتبط القانون الطبيعي بمفهوم التعاقد الذي طرحه الفلاسفة الغربيون (أهم الفلاسفة في الغرب هم مونتسيكيو، وفولتير، وجان جاك روسو،  وقد شخّص الحرية والمساواة، بأن عملية إدارة شؤون هذا المجموعة لا تتم إلا إذ تنازل طرف لآخر ليسمح له بإصدار أوامر تنفيذية، ولهذا فإن العقد الاجتماعي ما هو إلا تنازل عن جزء من تلك الحرية وجزء من تلك المساواة لكي تسير الأمور من خلال هيئة نابعة من الجمع المتساوي، على أساس عقد اجتماعي وقواعد متفق عليها، يطلق عليها اسم الدستور.
·       في فرنسا صدر إعلان حقوق الإنسان والمواطن على أثر ثورة 1789، والحق الإعلان بدستور 1791، وتضمن الإعلان مبادئ الثورة الفرنسية، فأشار إلى أن الشعب مصدر السلطات، وأن الناس خلقوا ويظلون متساوين في الحقوق. ونص القانون الصادر سنة 1946 في مقدمته على هذه الحقوق، ونص الدستور الصادر في تشرين الأول 1058 على تبني إعلان حقوق الإنسان والمواطن.
·       ورد في مقدمة وثيقة إعلان استقلال الولايات المتحدة 1776: (إن من الحقائق البديهية أن جميع الناس خلقوا متساوين، وقد وهبهم الله حقوقا معينة لا تتنزع منهم، ومن هذه الحقوق حقهم في الحياة والحرية والسعي لبلوغ السعادة، وكلما سارت أيه حكومة من الحكومات هادمة لهذه الغايات، فمن حق الشعب أن يغيرها أو يلزمها، وأن ينشئ حكومة جديدة، ترسي أسس تلك المبادئ، وان تنظم سلطاتها على الشكل الذي يبدو للشعب أنه أفى من سواه لضمان أمنه وسعادته).
·       في 1789م نشرت الجمعية التأسيسية المنبثقة أبان الثورة الفرنسية (إعلان حقوق الإنسان والمواطن) الذي جاء نتاجا لتلك الثورة التي اقترنت كلمتا الحرية المساواة بها، كما عززت عام 1793 كلمات الدستور، القانون، حقوق الإنسان، المواطن، وغيرها من الكلمات التي أسهمت في التمسك بالثورة والدفاع عنها.
·                   ما من وثيقة جاءت تحمل إقرارا بحق من حقوق الإنسان، إلا وجاءت عقب ثورة أو تمرد، بدءاً من الوثيقة الكبرى (Magna carta) الصادرة في العام 1215 عقب ثورة الشعب والإكليروس في إنجلترا ضد استبداد الملك جان بلا أرض jean sans terre بل وقبلها شرعة الحريات (chartger ofliberties) التي أعلنها الملك هنري الأول في العام 1101 نزولاً عند إلحاح النبلاء والبورجوازيين، ثم عريضة الحقوق (petition of rights) التي صدرت في العام 1628 بعد صراع مباشر بين الملك شارل الأول والبرلمان إثر محاولة الملك فرض ضرائب جديدة على الشعب دون الحصول على موافقة البرلمان[10]. أما الإعلان الفرنسي المسمى: إعلان حقوق الإنسان والمواطن (Declaration des droits de lhomme et du citoyen) فقد صدر عقب انتصار الثورة الفرنسية ضد الملك في 26 آب 1789، هذه الثورة التي استمدت أفكارها من المفاهيم المتجددة التي كان فلاسفة عصر الأنوار وعلى رأسهم "روسو" و "فولتير" و "مونتسكيو" قد طرحوها، والتي ركزت على السلطة وطريقة ممارستها، والحريات العامة والفردية التي تساهم بتطور المجتمع[11]. أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد جاء بيان إعلان الاستقلال الصادر سنة 1776 متضمناً مبادئ مثل المساواة بين الناس، وتمتعهم بحق الحياة، والحرية، وطلب السعادة، فكان من أهم الإعلانات لحقوق الإنسان في الغرب، وقد صاغها الرئيس "جيفرسون" متأثراً بآراء الفلاسفة الأوروبيين أمثال جون لوك وروسو وفولتير.
·                   كانت الخطوة الكبرى على طريق تقنين وتدوين حقوق الإنسان، وهي إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي أقرته الأمم المتحدة في جمعيتها العامة في العاشر من شهر كانون الأول سنة 1948 وقد كانت هذه الخطوة تعبيراً عن عصر التنظيم الدولي الذي وإن كان قد ظهر عام 1919 بقيادة عصبة الأمم، إلا أنّه لم يتبلور كفكرة ويتجسد كنشاط إلا بعد نشأة الأمم المتحدة، ووكالاتها المتخصصة، والمنظمات الدولية والإقليمية في الحياة الدولية[12].
·                   ثم جاء العهدان الدوليان المتضمنان للحقوق المدنية والسياسية، وللحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، اللذان صدرا في العام 1976، أي بعد ثلاثين سنة على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وبذلك أصبح القانون الدولي لحقوق الإنسان حقيقة واقعة، بعد أن كان العهدان قد وضعا في 16 كانون الأول 1966، ولكنهما لم يدخلا حيز التنفيذ إلا في العام 1976، عندما بلغ عدد الدول المصدقة عليهما النصاب المطلوب[13].
·       ثم صدرت الإعلانات الإقليمية المتعلقة بحقوق الإنسان، ومنها الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 19 أيلول 1981، والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، الذي صادق عليه مؤتمر الرؤساء بمنظمة الوحدة الأفريقية في العام 1981 ودخل حيز التنفيذ في العام 1991[14]، وكذلك إعلان طهران.


ملحق حول الحقوق:

تعريف الحق في الفكر الحقوقي الغربي:

اختلف علماء القانون في تعريف الحق اختلافاً واسعاً، ويقال بأن تعريف الحق من أكثر المسائل التي ثار الاختلاف بشأنه. فقد قيل أن الحق: هو "تغيير مضاد ذو علاقة متبادلة مع تغيير الواجب"، "أي ما يمكن اعتباره حقاً للشخص، ما يشكل واجباً على الشخص الآخر".
والاتجاهات العامة لتعريف الحق عند رجال القانون في الغرب تستند لأحد ثلاثة مذاهب، لكل منها نظريته التي تستند إلى القيمة التي وجد أنها أجدر بالأخذ بعين الاعتبار. وهذه النظريات هي:
1 - نظرية الإرادة: أو النظرية الشخصية.
2 - نظرية المصلحة: أو النظرية الموضوعية.
3 - النظرية المختلطة: وهي التي حاولت الجمع بين النظريتين السابقتين[15].
وبناء على هذه النظريات تولدت التعريفات التالية:

التعريف الأول: الحق قدرة إرادية يخولها القانون لشخص معين

وهذا التعريف هو المعتمد عند أصحاب نظرية الإرادة، أو النظرية الشخصية، وقد سميت بالنظرية الشخصية لأن أصحابها يعرفون الحق بالنظر إلى صاحبه، لأن القدرة الإرادية صفة تلحق بالشخص صاحب الحق.

التعريف الثاني: الحق مصلحة يحميها القانون

وهذا التعريف هو المعتمد عند أصحاب النظرية الموضوعية، أو نظرية المصلحة، وسميت بذلك الاسم لأن أصحابها يعرفون الحق بالنظر إلى موضوعه، وموضوع الحق هو المصلحة.

التعريف الثالث: الحق مصلحة يحميها القانون، عن طريق قدرة إرادية لشخص:

وهذا التعريف لأصحاب النظرية المختلطة الّذين غلبوا عنصر المصلحة على عنصر الإرادة.

التعريف الرابع: الحق قدرة في خدمة مصلحة ذات صفة اجتماعية، وتباشر بواسطة إرادة مستقلة:

وهذا التعريف لأصحاب النظرية المختلطة الّذين غلبوا عنصر الإرادة على عنصر المصلحة. وكل نظرية من هذه النظريات لا تخلو من النقد.

التعريف الخامس: الحق ميزة يمنحها القانون لشخص ويضمنها بوسائله، وبمقتضاها يتصرف في قيمة منسوبة إليه باعتبارها له، أو مستحقة له:

وهذا التعريف الأخير منسوب للفقيه القانوني البلجيكي "جان دابان"، وهو تعريف جديد، حاول أن يتجنب فيه النظريات السابقة، وما وجه إليها من نقد، ونال هذا التعريف استحساناً من قبل الفقهاء لاسيما فقهاء القانون في مصر.

تعريف الحق لدى فقهاء الشريعة المسلمين

اختلف العلماء المسلمون أيضاً بدورهم، ولم يعطوا تعريفاً كاملاً شاملاً للحق، وإذا وردت بعض التعاريف له، فإنما ترد قاصرة عن تحديده تحديداً كاملاً، شاملاً، ولعلهم رأوا أن فكرة الحق معروفة، فلا تحتاج إلى تعريف[16].
وقد حاول بعض الفقهاء والباحثين المسلمين المعاصرين إعطاء تعريف إسلامي للحق، يأخذ بعين الاعتبار المفاهيم الإسلاميّة، ذات العلاقة بمسألة الحق، وهي تختلف إلى حدٍّ ما عن المفاهيم الغربية، كمفهوم نشأة الحق مثلاً.
ومن التعريفات التي وضعها هؤلاء نورد التعريفات التالية:

التعريف الأول: الحق هو الحكم الثابت شرعاً

نقل هذا التعريف الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه الفقه الإسلامي وأدلته، واعتبر أنّه تعريف غير جامع ولا شامل لكل ما يطلق عليه لفظ الحق عند الفقهاء.

التعريف الثاني: الحق مصلحة مستحقة شرعاًُ

وهذا التعريف منسوب للأستاذ الشيخ علي الخفيف، ويقول عنه د. الزحيلي في كتابه المذكور آنفاً: أنّه تعريف بالغاية المقصودة من الحق، لا بذاته وحقيقته، لأن الحق هو علاقة اختصاصية بين صاحب الحق والمصلحة التي يستفيد منها[17].

التعريف الثالث: الحق مصلحة ثابتة للفرد أو المجتمع أو لهما معا يقررها الشارع الحكيم

وهذا التعريف للدكتور محمّد يوسف موسى ذكره في كتابه "الفقه الإسلامي"، ص 211، وهو يشبه إلى حد بعيد التعريف السابق للشيخ علي الخفيف.
وقد رد عليه د. فتحي الدريني بأنه أيضاً عرّف الحق بغايته، لأن الحق ليس مصلحة بل وسيلة إلى مصلحة[18].

التعريف الرابع: الحق هو اختصاص يقرر به الشرع سلطة شيء، أو اقتضاء أداء من آخر، تحقيقاً لمصلحة معينة[19]

التعريف الخامس: الحق هو اختصاص يقرر به الشرع سلطة أو تكليفاً

وهذا التعريف قريب من التعريف السابق، وقد اعتبر الدكتور وهبه الزحيلي أن هذا التعريف الذي جاء به د. مصطفى الزرقا جيد، لأنه يشتمل أنواع الحقوق الدينية، كحق الله على عباده، والحقوق المدنية كحق التملك، والحقوق الأدبية، والحقوق العامة[20].

فئات الحقوق:

يمكن تصنيف الحقوق إلى ثلاث فئات:
- الحقوق المدنية والسياسية (الجيل الأول من الحقوق): وهي مرتبطة بالحريات، وتشمل الحقوق التالية: الحق في الحياة والحرية والأمن؛ وعدم التعرض للتعذيب، والتحرر من العبودية؛ والمشاركة السياسية، وحرية الرأي والتعبير والتفكير والضمير والدين؛ وحرية الاشتراك في الجمعيات والتجمع.
- الحقوق الاقتصادية والاجتماعية (الجيل الثاني من الحقوق): وهي مرتبطة بالأمن. وتشمل: العمل والتعليم والمستوى اللائق للمعيشة والمأكل والمأوى والرعاية الصحية.
- الحقوق البيئية والثقافية والتنموية (الجيل الثالث من الحقوق): وتشمل حق العيش في بيئة نظيفة ومصونة من التدمير؛ والحق في التنمية الثقافية والسياسية والاقتصادية.




[1] كنموذج على تداخل المفاهيم: يرى الاستاذ محمد الهويمل أن التفسيرات المألوفة للحرية تقوم على فكرة الوجود الحر وغير المقيد، خاصة وأن الفرد لا يجبر على التصرف بطريقة محددة، وبهذا المعنى، فإن الفرد يتحدث عن الحرية وفق توجيهات خارجية على سلوك شخص ما، والذي يسمح لشخص ما للبقاء سلبيا أو التصرف كرد فعل على الارادة الذاتية. وفي واقع الأمر، توجد عدة خصائص للاختيار في قياس الحرية. ومن المعلوم أن حقوق الإنسان في اطارها العام متعددة ومتنوعة وتقع ضمن بوتقة من الأصول والفروع، حيث تنقسم الحقوق إلى حقوق فردية، سياسية وثقافية، اجتماعية واقتصادية واخرى مدنية، وتشتمل على مضامين متفاوتة بالمقارنة مع الحقوق الطبيعية. وتعتبر فكرة حقوق الإنسان مفهوماً جدلياً حظي بأهمية فائقة لتحديد طبيعة الروابط التي تربط بين مفهومي الحرية والحقوق، ومما لا شك فيه أن الحرية البشرية ينبثق بشكل مباشر عن مفهوم "الكرامة البشرية"، ذلك المفهوم المبهم الذي لا يزال يكتنفه القصور في التفسير ويلفه الغموض والخلط.
[2] الكرامة الإنسانية في ضوء المبادئ الإسلاميّة، د.عبدالعزيز التويجري، رسالة التقريب، عدد 21، 1419هـ.
[3] الكرامة الإنسانية في ضوء المبادئ الإسلاميّة، د.عبدالعزيز التويجري، رسالة التقريب، عدد 21، 1419هـ. بتصرف.
[4] الموافقات للشاطبي، ج 2، ص 8، طبعة دار المعرفة - بيروت - لبنان.
[5] خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم. د. فتحي الدريني. ص 108.
[6] اقتصادنا. السيد محمد باقر الصدر، ص 75.
[7] أنظر: المجتمع الإنساني في القرآن الكريم 5، السيد محمّد باقر الحكيم، رسالة التقريب - العدد 25 – 1420. حيث يقول: "المقاييس الواقعية التي لها بقاء ودوام واستمرار، وهي:
أ - التقوى من اللّه تعالى في السلوك العام، قال تعالى: (ن أكرمكم عند اللّه أتقاكم).
ب - العلم بالحقيقة الإلهية والحقائق الشرعية والكونية، قال تعالى: (يرفع اللّه الّذين آمنوا منكم والّذين أوتوا العلم درجات).
ج - الجهاد في سبيل اللّه، قال تعالى: (وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما).
إن هذه العناوين التفضيلية عناوين حقيقية، لها بقاء ودوام وتعبر عن حركة الإنسان وسعيه في هذه الحياة من أجل التكامل والوصول إلى مقام القرب من اللّه عزّوجلّ، فيكون مصداقاً من مصاديق السعي إلى إرضاء اللّه تعالى"
[8] منقول ومقتبس بتصرف من مقال للمحامي محمود الرفاعي.
[9] مثل سيطرة القوي على الضعيف.
[10] راجع كتاب مدخل إلى الحريات العامة وحقوق الإنسان د. خضر خضر. ص 95 - 96 وما يليها، وكذلك كتاب أركان حقوق الإنسان، د. صبحي المحمصاني، ص 39 - 40.
[11] المصدر السابق، د. خضر خضر، ص 106.
[12] مقالة للدكتور مفيد شهاب رئيس قسم القانون الدولي في كلية الحقوق، جامعة القاهرة منشورة في كتاب أزمة حقوق الإنسان في الوطن العربي، الصادر عن اتحاد المحامين العرب - القاهرة، ص 78.
[13] راجع المصدر السابق د. مفيد شهاب.
[14] راجع: كتاب حقوق الإنسان في الوطن العربي، تقرير المنظمة العربية لحقوق الإنسان عن حالة حقوق الإنسان في الوطن العربي، الصادر في القاهرة 1992، ص 310 وما يليها.
[15] راجع كتاب الاتجاه الجماعي في التشريع الاقتصادي الإسلامي. د. محمّد فاروق النبهان، ص 108.
[16] المصدر السابق، ص 112 - 113.
[17] الفقه الإسلامي وأدلته د. وهبة الزحيلي، ج4 ص 9.
[18] الاتجاه الجماعي للتشريع الاقتصادي الإسلامي د. محمّد فاروق النبهان، ص 113.
[19] أنظر نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي للدكتور فتحي الدريني، ص 139.
[20] الفقه الإسلامي وأدلته د. وهبه الزحيلي، ج4، ص 9. أيضاً الاتجاه الجماعي في التشريع الاقتصادي الإسلامي د. فاروق النبهان ص 114.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق