19‏/05‏/2009

الإنشاد الديني وموقعه في الحراك الاجتماعي والوعي الديني

هذه الكلمة ألقيت في مهرجان "ترانيم للإنشاد" في موسمه الثاني، في جزيرة تاروت بمحافظة القطيف، كلمة افتتاحية تحت عنوان " الإنشاد الديني وموقعه في الحراك الاجتماعي والوعي الديني" ضمّت نقاطاً مهمة، أُبرِزُ هنا أهمَّ ما ورد فيها:

مقدمة: تجذر وعراقة الإنشاد الديني عبر التاريخ
لقد مثّل الإنشاد الديني - عبر التاريخ - طقساً عبادياً، ومكوناً ثقافياً للامم السابقة، بل وحتى والمعاصرة منها.
وعلى سبيل المثال: فإن "الياذة هوميروس" عند اليونان، و "ملحمة قلقامش" عند الآشوريين، و "شاهنامة فردوسي" عند الفرس، و "تغريبة بني هلال" عند العرب، مما يمثل إما: طقساً عبادياً، أو رمزاً قوميا،ً أو أيقونة هوية، أو مكوناً فكرياً - وأحياناً عقائدياً - لهذه الأمم.
اما الديانة المسيحية فمن الجلي والواضح للعيان اعتمادها على الإنشاد كطقس ديني، بالغت في الاهتمام والعناية به، حتى سلكت بعض الكنائس والفرق المسيحية سلوكاً غير مألوف، بالخروج عن السمت اللائق بالإنشاد الديني، واقتبست أي لحن وكيفما كان إذا كان يؤدي إلى زيادة مرتاديها!
أما الإسلام فقد استخدم الإنشاد في أغراض محددة ووفق ضوابط معينة، مؤكداً على وظيفيته وأهميته، عبر ربط أقدس كتاب سماوي وهو "القرآن الكريم"، بـ"الترتيل" الذي هو أحد مصاديق الإنشاد حين قال في الآية الكريمة {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} من آية 4: سورة المزمل، نظراً لما يمثله الإنشاد من وسيلة معبّرة ومهمة في التأثير والإقناع للذات والآخر.
ولكن هذا لا يعني أنه لم يكن هناك خروج عن الأطر السليمة والواضحة عند بعض الفرق والمذاهب الإسلامية، التي ذهبت بعيداً في توظيف الإنشاد الديني بما أخرجه عن مساره!
فقد اقترن عند البعض بالمبالغة في الأسلوب! بمزجه مع الرقص الصوفي مثلاً! أو استخدام ألحان غير مناسبة! أو ألفاظ مغالية!
أو خرج عن أهدافه وأطره السليمة والمنشودة حين استعيض به عن العبادة والعمل الصالح عند البعض الآخر!
كما اعتبره فريق آخر أحد مصادر الإلهام والوحي العرفاني، كما هو حاصل أو ينسب لطريقة جلال الدين الرومي مثلاً!

أهداف الإنشاد كوسيلة وآلية:
مما لا شك فيه، أن الإنشاد إذا أحسن استخدامه وتطوير معطياته ومخرجاته، بما يحقق الأهداف المنشودة له، فإنه يكون ذا أثر بالغ وجوهري وحساس، وحريٌّ بنا هنا أن نسجل وندوّن بعض أهداف الإنشاد الديني، بما يؤطّره كوسيلة وأداة فعالة.

1/ بث روح الحماس في العمل والعطاء:
وكمثال: نبرز هنا موقف تشجيع رسول الله (ص) للصحابة أثناء حفر الخندق بإنشاده حين قال منشداً:
اللهم إن العيشَ عيش الآخرة *** فإغفر للأنصار والمهاجرة
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدا *** على الإسلام ما بقينا أبدا

2/ إبراز الفكرة أو المناسبة:
في تاريخ جميع الديانات والأمم، توجد دوماً مفاصل مهمة زماناً أو مكاناً أو موضوعاً، تشكل بوجودها وحضورها: ذاكرة الوعي، ومخزون الأصالة، وهوية التميز والاستقلال لها.
وكمثال على المفصل الزمني: تبرز مناسبة هجرة النبي (ص) للمدينة المنورة، فهما يمثلان – أي المدينة كمكان، والهجرة كتاريخ - مفصلاً زمانياً ومكانياً بين الحق والباطل
طلع البدر علينا *** من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا *** ما دعا لله داع
وكمثال على الموضوع: يبرز بوضوح عنصر إبراز مظلومية العترة كموضوع أساس ورئيس للبكاء والإبكاء والتباكي، بل وجعله أحد أهم مفردات الوعي الشيعي الأصيل.

3- إبراز الشخصيات النموذجية:
وباعتبار الشخصيات العظيمة في تاريخ الأمم عناصر تميز ورموز اقتداء، فإن القدوة والشخصية المميزة أحد عناصر وعي الأمة واستقامتها، ويتضح لنا من ذلك أهمية إبراز ذكرى مناسبات العترة الهادية (عليهم السلام) من ولادات ووفيات، ومناسبات عظماء الأمة من العلماء والمجاهدين، ويلعب عادة الإنشاد دوراً مهماً وفعالاً وناجحاً في هذا المجال، وقد أوصى الأئمة (عليهم السلام) بهذا الجانب عبر (إبراز) مظاهر الحزن والفرح: (شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا)، وفي محافل جماعية وعامة ما امكن كما ورد في الأثر عن العترة الهادية (عليهم السلام).

4- توصيل الفكرة والمعنى:
إذ يكتسب الإنشاد أهميته وموقعيته وجوهريته في الأدوات والأساليب التبليغية والإعلامية، من كونه عنصراً مهماً ومؤثراً في منظومة الإتصال والتواصل الفردي والجماهيري، فمتى ما كان الإنشاد متميزاً بالفكرة والمضمون، بليغاً في الأسلوب، مؤثراً في النتيجة، كان أكثر قرباً من الشرعية بل والاستحباب أيضاً، وكلما ابتعد عن ذلك فقد أساس شرعيته وتحوّل إلى مثبط للأمة وعنصر هدم ومعول فناءٍ لها.

5- بناء الرصيد والمخزون الوجداني والعاطفي لثقافة الأمة:
وقد تمت الإشارة إلى هذه النقطة في مقدمة الخطاب، فلا داعي للتكرار هنا أيضاً، إلا على نحو سرد المعطيات والأسباب. فكما يمثل الإنشاد الديني أحد مكونات الثقافة والهوية الفكرية والاجتماعية بل والوطنية أحياناً – إذ لكل دولة نشيد وطني -، فإن أي أمة تحتاج إلى رصيد ومخزون عاطفي ووجداني يثير في أبنائها النخوة والحمية والانتماء للقيم والرموز التي تشكلها تلك الأمة أو ذاك الوطن. ومن هنا فإن للإنشاد الديني دورٌ مهم وفعال في بناء هذا الرصيد والمخزون العاطفي في ثقافة الأمة!

الموقف من الإنشاد الديني:

1/ التفريط:
وهو موقفُ جمعٍ من المتزمتين، مما دعا "البوطي" و"الشوكاني" مثلاً لكتابة ردود مطولة تحت عنوان: (إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع)!

2/ الإفراط:
فقد كُتِبَ في معرض تبرير "التمايل والرقص" في الذكر عند "الصوفية": "وقد أورد "عبد الله بن عقبة" فى "مجمع الزائد" قائلاً: (كان اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتمايلون في الذكر! كما تمايلُ الريحُ الأشجارَ!).

3/ تأكيد أثر الأداء الصوتي ومدخليته في التبليغ الرسالي:
وهو الموقف الذي يقفه الإسلام دون إفراط وتفريط، حيث يؤكد على أهمية عنصر الإنشاد والأداء الصوتي، كوسائل وآليات تبليغ معتبرة ومهمة، منطلقاً من هذه النقاط:

أ/ الأثر الفعال للصوت في إيصال الفكرة:
فمن أهم مقومات الخطابة والتمثيل - باعتبارهما من أهم وسائل التواصل والإقناع والتأثير - يأتي الأداء الصوتي على رأس القائمة، لما له من تاثير جوهري في الإقناع والتلقين على المتلقي.
ولذلك فإذا أقترن الأداء الصوتي بمحسنات أخرى كأطوار الإنشاد، وبلاغة الكلمات، والاقتران النفسي بين العناصر المختلفة من طور ولحن وأداء وبين المناسبة الدينية كرمز، فإن هذا مما يعمق دور الصوت كأداة والإنشاد كأسلوب في توصيل الفكرة، وأعتقد أن ظاهرة ثقافة الرواديد وانتشارها الكبير، مما يؤكد هذا المعنى دون مزيد إسهاب في التعليق عليها والتأسيس لها.

ب/ اعتبار السماع أحد مصادر تلقي العلم والفكر والوعي
يشير القرآن الكريم في هذه الآية الكريمة: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} 36: سورة الإسراء، إلى حاسة السمع كأحد عناصر التلقي التي يحاسب الإنسان عليها حول المضامين التي أفرغت فيها! بل يصف القرآن حاسة السمع بأنها أحد منافذ الوعي الجوهرية {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} 12: سورة الحاقة! ولذلك فإن هذا الإبراز الجوهري لحاسة السمع يستلزم منا الإعداد المناسب الذي يغذي العقل والروح معاً، بالشكل والمضمون المناسبين.

ج/ التأكيد على أهمية التناسق بين عنصري اللفظ والصوت
فكما أن حرمة الغناء وتأثيمه مرتبط وناشيء من عنصري: اللفظ الفاحش، أو النغم المطرب!
فإن ثواب الإنشاد إذا أتقن تناغمه بين عنصر اللفظ المعبر والهادف والنغم المناسب والمؤثر، يكون بنفس القوة والإضطراد.
ولذلك وردت روايات عديدة عن المعصومين (عليهم السلام)، حول قراءة مصيبة الحسين (عليه السلام) بأطوار حزينة ومؤثرة (كطور أهل الرقة مثلاً)، كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) لمّا دخل عليه "هارون المكفوف", فقال (عليه السلام): أنشدني في جدي الحسين (عليه السلام)!
فأنشأ "هارون المكفوف" يقول:
أُمررْ على جدثِ الحسينِ *** وقُـــلْ لأعظمِــهِ الزكيــة
فبكى الصادق (عليه السلام) وقال: أنشدني كما تنشدون بالرقة فقال:
يا مريم نوحي على مولاك *** وعلى الحسين ألا أسعدي ببكاك
فصاحت ابنة الصادق (عليه السلام): واجداه! واحسيناه!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق