07‏/06‏/2009

في ذكرى مثال الوفاء ونموذج التضحية: أم البنين الكلابية (ع)

هي فاطمة بنت حزام الكلابية، وتلقب بأم البنين.
زوجة علي بن أبي طالب (ع) بعد فاطمة الزهراء (ع)، تعرف بأم البنين لأن لها اربع أبناء كلهم قتلوا في كربلاء مع الحسين بن علي (ع).
- الاسم: فاطمة.
- الأب: حزام بن خالد بن ربيعة الكلابي.
- الأم: ثمامة بنت سهل الكلابي.
- القبيلة: بنو كلاب من العرب الأقحاح من بني عامر بن صعصعة، شهيرة بالشجاعة والفروسية.
- الكنية: أم البنين وأم العباس.
- الولادة: على الأرجح في السنة الخامسة للهجرة الشريفة.
- الزوج: الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقط.
- الزواج: ليس هناك تاريخ محدد - للأسف - حسب التتبع الناقص، ولكن الأرجح أنه كان بعد سنة 24 للهجرة الشريفة، وذلك لأن الأمير (ع) تزوجها بعد إمامة بنت زينب.
- الأولاد: العباس أبو الفضل، وعبد الله، وجعفر، وعثمان.. قتلوا جميعاً تحت راية الإمام الحسين (ع) في كربلاء، حيث كانوا آخر من قتل، وآخرهم أفضلهم وهو أكبرهم أيضاً وهو العباس أبو الفضل (ع) حامل لواء أخيه الحسين (ع)، وساقي عطاشى كربلاء، وهو أشهر من نور على جبل.

آباء وأمهات أم البنين:
تؤكد المصادر التي ترجمت لها أنها تنتسب إلى قبيلة (كلاب)، وهي من الأصول العربية لها مكانة وقوة في تاريخ الأمة.
وهي فاطمة بنت حزام وهو أبو المحل بن خالد ابن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب، وأمها ثمامة بنت سهل بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب، وأمها عمرة بنت الطفيل فارس فرزل بن مالك الاحزم رئيس هوازن بن جعفر بن كلاب، وأمها أم الخشف بنت أبي معاوية فارس الهوازن بن عبادة بن عقيل بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وأمها فاطمة بنت جعفر بن كلاب، وأمها عاتكة بنت عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، وأمها آمنة بنت وهب بن نمير بن نصر بن قصي بن كلاب، وأمها آمنة بنت أسد بن خزيمة، وأمها بنت جحدر بن ضبيعة الأعز بن قيس بن ثعلبة بن عكاسة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن ربيعة بن زار، وأمها بنت مالك بن قيس بن ثعلب وأمها بنت ذي الرأسين وهو خشيش بن أبي عصم بن سمح بن فزارة وأمها بنت عمرة بن صرمة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن نفيض بن الريت بن غطفان.
حفظ لنا التاريخ شيئاً عن حياة واحدة من كبريات النساء، بلغت من رفعة المركز، تلك أهي (أم البنين) العابدة الزاهدة المحبة للخير الصانعة للمعروف الناهية عن المنكر، فهي مع حداثة سنها قد نالت بفضل جدها واجتهادها وذكائها المعيتها مكانة لائقة في المجتمع وحب أهل الفضل بها، ولا يعرف الفضل إلا ذووه.

مولد أم البنين و نشأتها:
كان حزام بن خالد بن ربيعة في سفر له مع جماعة من بني كلاب، نائم في ليلة من الليالي فرأى فيما يرى النائم كأنه جالس في أرض خصبة وقد انعزل في ناحية عن جماعته وبيده درة يقلبها وهو متعجب من حسنها ورونقها وإذا يرى رجلاً قد أقبل إليه من صدر البرية على فرس له فلما وصل إليه سلم فرد (ع) ثم قال له الرجل بكم تبيع هذه الدرة، وقد رآها في يده فقال له حزام اني لم أعرف قيمتها حتى أقول لك ولكن أنت بكم تشتريها فقال له الرجل وأنا كذلك لا أعرف لها قيمة ولكن إهدها إلى أحد الأمراء وأنا الضامن لك بشيء هو أغلى من الدراهم والدنانير، قال ما هو قال اضمن لك بالحظوة عنده والزلفى والشرف والسؤدد أبد الآبدين، قال حزام أتضمن لي بذلك قال نعم قال: وتكون أنت الواسطة في ذلك قال وأكون أنا الواسطة أعطني إياها فأعطاه إياها.
فلما انتبه حزام من نومه قص رؤياه على جماعته وطلب تأويلها فقال له أحدهم ان صدقت رؤياك فانك ترزق بنتا ويخطبها منك أحد العظماء وتنال عنده بسببها القربى والشرف والسؤدد.
فلما رجع من سفره، وكانت زوجته ثمامة بنت سهيل حاملة بفاطمة أم البنين وصادف عند قدوم زوجها من سفره كانت واضعة بها فبشروه بذلك فتهلل وجهه فرحاً وسر بذلك، وقال في نفسه قد صدقت الرؤيا، فقيل له ما نسميها فقال لهم سموها: (فاطمة) وكنوها: (أم البنين) وهذه كانت عادة العرب يكنون المولود ويلقبونه في الوقت الذي يسمونه فيه وهو يوم الولادة.
وقد أقر الإسلام هذه العادة وأمر رسول الله (ص) بها، كما لقب وكنى الحسن والحسين (ع) فكنية الحسن (أبو محمد) ولقبه (المجتبى) وكنية الحسين (أبو عبد الله) ولقبه (السبط) وجعلها (ص) سنة في أمته وذلك لئلا يكنى المولود بكنية غير طيبة ويلقب بقلب غير حسن، بحيث لو خوطب المكنى أو المقلب به تشمئز نفسه ويغضب بذلك ومن هنا أشار الله عز وجل في محكم كتابه المجيد بقوله: (ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق)(1).
وكنيت فاطمة بنت حزام بأم البنين على كنية جدتها من قبل آباء الأم وهي: ليلى بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
ونشأت أم البنين في حضانة والدين شفيقين حنونين هما حزام بن خالد بن ربيعة، وثمامة بنت سهيل بن عامر، وكانت ثمامة أديبة كاملة عاقلة، فأدبت ابنتها بآداب العرب وعلمتها بما ينبغي أن تعلمها من آداب المنزل وتأدية الحقوق الزوجية وغير ذلك مما تحتاجه في حياتها العامة. وقد قال شاعر النيل حافظ إبراهيم:
الأم مـــــدرســـــة إذا أعـــــــددتــــهـــا أعــــــددت شـــــعباً طيـب الأعراق(2)
كما وكانت أم البنين لها قابلية للتعليم، فقد وهبها الله (عز وجل) نفساً حرة عفيفة طاهرة وقلباً سليماً زكياً طيباً ورزقها فطنة وذكاء، وعقلاً رشيداً أهلها لمستقبل سعيد.
فلما كبرت وبلغت مبالغ النساء كانت مضرب المثل، لا في الحسن والجمال والعفاف فحسب، بل وفي العلم والآداب والأخلاق، بحيث اختارها عقيل بن أبي طالب لأخيه أمير المؤمنين (ع)، وما ذلك إلا أنها كانت موصوفة بهذه الصفات بين نساء قومها بالآداب الحسنة والأخلاق الكاملة، علاوة على ما هي فيه من النسب الشريف والحسب المنيف مما جعل عقيل بن أبي طالب يرى فيها الكفاءة بأن تكون قرينة أخيه أمير المؤمنين (ع) وشريكة حياته.

خبر الاختيار ورواته:
وقد روي أن أمير المؤمنين (ع) قال لأخيه عقيل (رض) وكان نسابة عالماً بأنساب العرب وأخبارهم: أنظر لي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوجها فتلد لي غلاماً فارساً!
فقال له: تزوج أم البنين الكلابية فإنه ليس في العرب أشجع من آبائها فتزوجها(3).
وقيل أتى زهير إلى عبدالله بن جعفر بن عقيل قبل أن يقتل، فقال له: يا أخي ناولني هذه الراية!
فقال له عبد الله: أو فيَّ قصور عن حملها؟
قال: لا.. ولكن لي بها حاجة.
قال فدفعها إليه، وأخذها زهير وأتى تجاه العباس بن أمير المؤمنين وقال: يا ابن أمير المؤمنين! أريد أن أحدثك بحديث وعيته فقال حدث فقد حلا وقت الحديث!
حــــدّث ولا حـــرجَ عــــــليك *** فإنما تـروي لنـا متواتر الإسـناد
فقال له: أعلم يا أبا الفضل.. أن أباك أمير المؤمنين (ع) لما أراد أن يتزوج بأمك أم البنين، بعث لأخيه عقيل وكان عارفاً بأنساب العرب، فقال (ع): يا أخي أريد منك أن تخطب لي امرأة من ذوي البيوت والحسب والنسب والشجاعة، لكي أصيب منها ولداً يكون شجاعاً وعضداً ينصر ولدي هذا - وأشار إلى الحسين (ع) - ليواسيه في طف كربلا!
وقد أدّخرك أبوك لمثل هذا اليوم، فلا تقصر عن حلائل أخيك وعن أخواتك!
قال: فارتعدّ العباس وتمطّى في ركابه حتى قطعه، وقال: يا زهير تشجعني في مثل هذا اليوم! والله لأرينك شيئاً ما رأيته قط(4)...إلخ.
ولما رجع العباس (ع) من مكالمته مع شمر (لعنه الله) حين عرض عليه الكتاب الذي فيه أمان له ولأخوته، استقبلته الحوراء زينب (ع) وقد سمعت كلامه مع الشمر، قالت له: أخي أريد أن أحدثك بحديث قال حدثي يا زينب لقد حلا وقت الحديث.
قالت: أعلم يا ابن والدي، لما ماتت أمنا فاطمة، قال أبي لأخيه عقيل: أريد منك أن تختار لي امرأة من ذوي البيوت والشجاعة حتى أصيب منها ولداً ينصر ولدي الحسين بطف كربلاء وقد أدخرك أبوك لمثل هذا اليوم فلا تقصر يا أبا الفضل!
فلما سمع العباس كلامها، تمطى في ركابي سرجه حتى قطعهما، وقال لها: في مثل هذا اليوم تشجعيني وأنا ابن أمير المؤمنين!
فلما سمعت كلامه سرت سروراً عظيماً(5).
عرفنا أن خبر الاختيار رواه فيمن رواه العقيلة زينب وزهير بن القين.
وهنا لو سَئل سائل: لم عول أمير المؤمنين (ع) على أخيه عقيل في الاختيار ولم يختر هو لنفسه فهل كان عقيل أعرف منه بأصول العرب مع أنكم تعتقدون أن الإمام أعلم من غيره في كل العلوم وأعرف ممن سواه بكل شيء.
الجواب: نعم هو كذلك عندنا ولكن كانت العادة التي اقتضتها همم الأكابر من الملوك والعظماء أنه إذا أراد التزويج لنفسه أو لواحد من ولده أناب عنه من يقوم به من خاصته من يعتمد عليه من أهل المعرفة والحزم ليختار له ترفعاً منهم عن ذلك، لأن المرأة مهما بلغت من الجلالة وعظم القدر هي بالنسبة إلى ذلك العظيم لا ترقى إليه، ويرى أن مباشرته للخطبة بنفسه انحطاطاً لقدره، وهذا نبينا محمد (ص) لما أراد التزويج بخديجة (ع) مع رغبته التامة فيها، وعلو قدر خديجة وعظم شأنها في قريش، لم يباشر (ص) خطبتها بنفسه، وإنما باشر ذلك أعمامه أبو طالب والزبير وحمزة، والقضايا التاريخية إذا سرت عليها أرتك ما نقوله جلياً(6).
وثانياً: إن رجوع العالم إلى من هو أدنى منه في العلم في سؤال أو مشاورة لا ينفي الأول من العلم وحصانة الرأي، والشواهد في ذلك كثيرة ذكر القرآن (عز شأنه) لحبيبه محمد (ص): (وشاورهم في الأمر)(7).
ومن تتبع التاريخ يرى أن رسول الله (ص) الذي: (لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)(8) شاور أصحابه في مواقف عديدة وأخذ بمشورتهم، وأشاروا عليه وقبل رأيهم، أترى أنه دخل على رسول الله (ص) في هذه المشاورة نقص في العلم والرأي، الجواب: كلا.
وقد ذكر الله (عز وجل) في كتابه المجيد حول هذا الموضوع أكثر من خمس آيات: وقد قيل: (وكم سائل عن أمره وهو عالم) وغير خفي ما أخبر به الذكر الحكيم من طلب سليمان (ع) أصحابه إحضار قصر بلقيس حتى أحضره وصيه آصف بن برخيا ترى أنه (ع) لا يستطيع إحضاره هو.
كما ولا يخفى اقتراح موسى (ع) على ربه المساعدة من أخيه هارون على تأدية الرسالة إلى فرعون، وغيرها وغيرها من الشواهد الدالة على ذلك.
ونظرة ثانية كأنما أراد أمير المؤمنين (ع) في اعتماده على أخيه عقيل ليختار له امرأة لا لاظهار شخصية أخيه في هذا العلم فحسب، بل وحتى تكون شهادته عالية الشأن دامغة الحجة فإذا وصم الأعداء في أنسابهم بوصمة تغنت بها الركبان وتحدثت بها أهل المحافل وإذا مدح أحد في نسبه كانت كلمته مضرب المثل وحجة عند أهل الأنساب، فعلى هذا وذاك قال (ع) لأخيه عقيل يا أخي أريد منك أن تختار لي.

كيفية الخطوبة و الزواج:
مضى عقيل بن أبي طالب في مهمته بأمر أخيه أمير المؤمنين (ع) حتى ورد بيت حزام بن خالد بن ربيعة ضيفاً على فراش كرامته وكان خارج المدينة، فرحب به ونحر له النحائر وأكرم مثواه غاية الأكرام، وكانت عادة العرب لا يسألون الضيف عن حاجته إلا بعد ثلاثة أيام الضيافة.
فلما انقضت وجاء اليوم الرابع جاء حزام إلى عقيل بن أبي طالب وجلس إلى جانبه وخاطبه بكل تأدب وتبجيل قائلاً: هل من حاجة فتقضى؟ أو ملمة فتمضى من مال أو رجال؟ فنحن رهن أشارتكم!
فقال له عقيل: جئتك بالشرف الشامخ والمجد الباذخ!
فقال حزام: وما هو يا بن عم رسول الله (ص)؟
قال: جئتك خاطباً!
قال: من لمن.
قال عقيل: أخطب ابنتك الحرة فاطمة أم البنين إلى يعسوب الدين والحق اليقين وقائد الغر المحجلين وسيد الوصيين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
فلما سمع حزام هشّ وبشّ ثم قال: بخٍّ بخٍّ بهذا النسب الشريف والحسب المنيف، لنا الشرف الرفيع والمجد المنيع بمصاهرة ابن عم رسول الله (ص) وبطل الإسلام وقاسم الجنة والنار، ولكن يا عقيل أنت جد عليم ببيت سيدي ومولاي، أنه مهبط الوحي ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة، وأن مثل أمير المؤمنين ينبغي أن تكون له امرأة ذات معرفة عن علم وآداب في ثقافة وعقل مع أخلاق حسنة حتى تكون صالحة لشأنه العالي ومقامه السامي، وأن ابنتنا من أهل القرى والبادية وأهل البادية غير أهل المدينة ولعلها غير صالحة لأمير المؤمنين (ع).
فقال عقيل: يا حزام أن أخي يعلم بكل ما قلته، وأنه يرغب في التزويج بها.
فقال حزام: إذاً تمهّل حتى أسأل عنها أمها هل تصلح لأمير المؤمنين أم لا، فإن النساء أعلم ببناتهن من الرجال في الأخلاق والآداب.
ثم قام حزام من مجلسه وجاء ليسأل، فلما قرب من المنزل وإذا هو يرى فاطمة جالسة بين يدي أمها وهي تمشط رأسها وفاطمة تقول: يا أماه أني رأيت في منامي رؤيا البارحة، فقالت لها أمها خيراً رأيت يا بنية قصيها علي:
فقال حزام في نفسه: انتظر حتى أسمع ماذا رأت في منامها، فوقف في مكانه بحيث يسمع الصوت ولا يراه أحد.
فقالت فاطمة لأمها: أني رأيت فيما يرى النائم كأني جالسة في روضة ذات أشجار مثمرة وأنهار جارية، وكانت السماء صاحية والقمر مشرقاً والنجوم ساطعة، وأنا أفكر في عظمة خلق الله من سماء مرفوعة بغير عمد وقمر منير وكواكب زاهرة، فبينما كنت في هذا التفكير ونحوه وإذا أرى كأن القمر قد انقض من كبد السماء ووقع في حجري وهو يتلألأ نوراً يغشي الأبصار، فعجبت من ذلك وإذا بثلاثة نجوم زواهر قد وقعوا أيضاً في حجري، وقد أغشى نورهم بصري، فتحيرت في أمري مما رأيت، وإذا بهاتف قد هتف بي أسمع منه الصوت ولا أرى الشخص وهو يقول:
بشـــــــراك فاطــــــمة بـــالسادة الغـرر *** ثـــــلاثة أنجــــــم والــــزاهر القـــــمـر
أبـــــوهم ســـيد فـــي الخلــــق قـــاطبة *** بعد الرســـــول كــذا قـد جاء في الخبر
فلما سمعت ذلك ذهلت وانتبهت فزعة مرعوبة، هذه رؤياي يا أماه فما تأويلها:(9)
فقالت لها أمها: يا بنية ان صدقت رؤياك فانك تتزوجين برجل جليل القدر، رفيع الشأن، عظيم المنزلة عند الله، مطاع في عشيرته، وترزقين منه أربعة أولاد، يكون أولهم وجهه كأنه القمر، وثلاثة كالنجوم الزواهر.
فلما سمع حزام ذلك أقبل عليهما وهو مبتسم ويقول: يا بنية قد صدقت رؤياك!
فقالت له أمها: وكيف علمت ذلك؟
قال: هذا عقيل ابن أبي طالب جاء يخطب ابنتك!
قالت: لمن؟
قال: لفلال الكتائب ومظهر العجايب وسهم الله الصائب وفارس المشارق والمغارب الإمام علي بن أبي طالب (ع).
قالت: وما الذي قلت له؟
قال: أمهلته حتى أسألك عن ابنتك، هل تجدين فيها كفاءة بأن تكون زوجة لأمير المؤمنين، واعلمي أن بيته بيت الوحي والنبوة والعلم والآداب والحكمة، فإن تجديها أهلاً لأن تكون خادمة في هذا البيت وإلا فلا.
فقالت: يا حزام أني والله قد ربيتها وأحسنت تربيتها، وأرجو الله العلي القدير أن يسعد جدها، وأن تكون صالحة لخدمة سيدي ومولاي أمير المؤمنين، فزوجها به:
زوج كــــــريـــــمتنا بـــــالفارس البطل *** نعــــــم القـــــرينة لـلمولى الإمام علي
فـــــإنها حـــــرة فـــــي الحــسن بارعة *** فــي الــــــرشد كــــــاملة والــعـــــقل
فلما سمع حزام سر بذلك سروراً عظيماً، وأقبل إلى عقيل وهو مستبشر، فقال له عقيل: ما ورائك؟
قال: كل الخير إن شاء الله.. قد رضينا بأن تكون ابنتنا خادمة لأمير المؤمنين (ع).
فقال عقيل: لا تقل خادمة بل قل زوجة.
ثم قال عقيل: يا حزام هل عندكم اقتراح في الصداق؟
قال حزام: هي هبة منا إلى ابن عم رسول الله (ص)!
فقال عقيل: بل ممهورة. أما المهر فهو ما سنّه رسول الله (ص) في بناته وزوجاته خمسمائة درهم، وأما الهدية فلكم ما يرضيكم ويزيد.
فقال حزام: أعلم يا عقيل إنا لا نطمع في كثرة المال، ولكن نطمع في شرف الرجال.
ثم نهض حزام من وقته وساعته، ودخل على زوجته ثمامة بنت سهيل وهو يقول: البشارة فإنه قد سعد جدك وعلا مجدك وارتفع ذكرك، فقد قبل عقيل بن أبي طالب ابنتك زوجة لأخيه أمير المؤمنين صاحب الأنوار والهيبة والوقار.
فلما سمعت ذلك منه خرت ساجدة لله شكراً وقالت: الحمد لله الذي جمع شملنا بمحمد المصطفى (ص) وعلي المرتضى (ع).
ثم أقبلت على ابنتها فاطمة تهنئها وتقبلها ولسان الحال يقول:
يهـــــــنيك هــــــذا الشــــــرف العـــالي *** وأنــــــت فـــــــي عــــــــز واقــــــبـــال
فيــــــك فنـــــون الحســــن قـــد جمعت *** فصــــــــرت فــــــي فـــــضل بـــه عالي
حظـــــيت بـــــالمفضال خيـــــر المــــلا *** بـــــــعد النـــــبي الطــــــاهر العـــــالي
ثم أن حزام خرج ودعى عشيرته وقومه من بني كلاب وبني عامر، فلما اجتمعوا قام عقيل بن أبي طالب خطيبا: فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه (ص) ثم قال: أما بعد يا بني كلاب ويا بني عامر بن صعصعة، نحمد الله نحن العرب إذ جعلنا من خير خلقه، وأرسل فينا رسولاً من أنفسنا محمداً (ص) من شجرة النبوة، وجاءنا بدين الله القويم الذي ارتضاه لنا، إذ يقول القرآن: (إن الدين عند الله الإسلام)(10) وقال عز وجل: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه)(11) وأمرنا بنبذ البغضاء والشحناء والأحقاد، وحبب لنا صلة الأرحام والتقارب والاتحاد، إذ يقول جل ذكره: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم أن الله عليم خبير)(12) وحرم علينا الزنى والسفاح، وأحل لنا الزواج والنكاح، إذ يقول (عز شأنه): (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة أن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)(13).
وقال رسول الله (ص): (تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم) وهذا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، قد أحب مصاهرتكم وخطب إليكم كريمتكم فاطمة أم البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة، على كتاب الله وسنة رسوله، وقد ذكر القرآن (تبارك والله): (فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)(14) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ثم جلس، وقام حزام بن خالد، خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي فصلى عليه، ثم قال: يا قومي قد سمعتم ما قاله ابن عم رسول الله (ص) عقيل بن أبي طالب من ذكر نبينا محمد (ص) ودين الإسلام القويم، وأني أشهدكم وأشهد الله أني أدين بدين هذا النبي الكريم وأطيعه فيما نهاني عنه وما أمرني به، وأني قد ارتضيت علي بن أبي طالب لابنتي بعلاً، وارتضيتها له سكناً، وبما أنكم عشيرتي وقومي أطلعتكم على هذا الأمر فما تقولون؟
فقالوا: يا حزام ما تريدنا أن نقول في ابن عم رسول الله (ص) وناصر دين الله؟ ومن لنا بأكرم منه حسباً أو بمثله نسباً؟، فلنا الشرف والمجد والسؤدد ومن لنا بأكرم منه حسباً أو بمثله نسباً، فلنا الشرف والمجد والسؤدد في قربه منا وانتسابنا إليه، فنعم ما صنعت وخير ما رأيت.
فعند ذلك أخذ عقيل من أم البنين الأذن لأجراء صورة العقد واجراه في حضور جماعة من بني كلاب وأشهد منهم جماعة على ذلك.
فلما أراد عقيل السفر ودع بني كلاب وبني عامر وودع حزام وشكره على ما صنعه معه، من الحفاوة وعلى تلبيته لطلب أمير المؤمنين بالترحيب ثم ضرب لهم موعداً لارسال الصداق حتى يرسلوا العروس، ثم قفل راجعاً إلى المدينة.
فلما وصل عقيل إلى المدينة وأخبر أخاه أمير المؤمنين (ع) بذلك أرسل لهم الصداق مع الهدايا والتحف ما غمرهم به.
فلما وصلت الهدايا والتحف والصداق نهضت ثمامة والدة أم البنين، ودعت جاريتها وقالت لها: أمضي إلى داية ابنتي وقولي لها تأتي مسرعة!
فمضت وما أسرع أن رجعت ومعها الداية، فقالت لها: قومي وخذي ابنتي وأصلحي شأنها، فإنا نريد تزويجها!
قالت: ومن ذا يكون بعلها؟
قالت: أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وأبو الريحانتين، والإمام الهمام علي بن أبي طالب (ع).
ففرحت الداية فرحاً شديداً وقالت الحمد لله رب العالمين فقد سعد حظها وعلا قدرها.
ثم قامت وهنأت فاطمة بالسعادة الأبدية وأصلحت شأنها كما ينبغي وألبسوها الثياب الفاخرة وزينوها بالحلي والحلل.
ثم أمر حزام بأعداد خمسة هوادج مزينة بأحسن الزينة واركبوا فاطمة أم البنين وأمها في هودج، وقد غشوه بالحرير والأبريسم والنساء من بني عمومتها في بقية الهوادج من خلفها وركبت عشرة فوارس من بني كلاب يحفون بالهوادج وهم مسلحون بالسيوف الهندية والرماح الخطية وجاؤا جميعاً إلى المدينة، فلما وصلوا خرجت في استقبالهم النساء والرجال من بني هاشم وهم في فرح وسرور فأمر أمير المؤمنين (ع) أن تعمل لهم وليمة عظيمة تليق بشأنه وبشأنهم، وأكرمهم غاية الإكرام ومكثوا ثلاثة أيام في ضيافة أبي الحسن (ع).
فلما أرادوا ادخالها على أمير المؤمنين خرجت معها أمها ونساء بني هاشم ونساء المهاجرين والأنصار وهن ينشدن الأشعار ويصلين على النبي المختار (ص) وآله الأطهار (ع)، وأنشدت واحدة منهن تقول شعراً:
يهــــــنيك فـــــاطمة بـــــالفارس البطل *** نعــــــم الـــقرين أميــر المؤمنين علي
مــــــن لــــــلانام إمـــــام حـــجة وولي *** للــــــمؤمنين أميــــــر والغـــــدير جلي
وقد ارتفعت الأصوات بالصلاة والسلام على محمد (ص) وآله الأطهار من جميع النساء، وأدخلوها بهذه الهيئة الحسنة الجميلة وهن في بهجة وسرور ثم تفرقن عنها، فلما دخل بها أمير المؤمنين (ع) وجدها فوق الوصف، ورأى ما أسره من الحسن والجمال والهيئة والكمال.

الزواج:
تزوج أمير المؤمنين (ع) من فاطمة ابنة حزام العامرية، إما بعد وفاة الصديقة سيدة النساء (ع) كما يراه بعض المؤرخين، أو بعد أن تزوج بأمامة بنت زينب بنت رسول الله (ص) كما يراه البعض الآخر.
وهذا بعد وفاة الزهراء، لأن الله قد حرم النساء على علي (ع) ما دامت فاطمة موجودة، فولدت له أربعة بنين: العباس، وعبد الله، وجعفر، وعثمان، وعاشت بعده مدة طويلة، ولم تتزوج من غيره.
كما أن أمامة وأسماء بنت عميس وليلى النهشلية لم يخرجن إلى أحد بعده، وهذه الأربع حرائر توفي عنهن سيد الوصيين (ع)، وقد خطب المغيرة بن نوفل أمامة، ثم خطبها أبو الهياج بن أبي سفيان بن الحارث، فامتنعت وروت حديثاً عن علي (ع) أن أزواج النبي والوصي لا يتزوجن بعده، فلم يتزوجن الحرائر وأمهات الأولاد عملاً بالرواية(15).
وأم البنين المرأة الثانية التي تزوجها أمير المؤمنين باختيار الغير، والأولى أمامة بنت زينب بنت رسول الله (ص) بوصية من الزهراء (ع).
كما جاء عن السيدة فاطمة الزهراء (ع) ما هذا نصه: يا بن عم رسول الله.. أوصيك أولاً أن تتزوج بأمامة فإنها تكون لولدي مثلي فإن الرجال لابد لهم من النساء(16).

بحث في الزواج:
الإمام علي (ع) كان كفواً لفاطمة (ع) وفاطمة (ع) كانت كفواً لعلي (ع)، كما ورد في الأحاديث: قال الإمام الصادق (ع): (لولا أن الله خلق أمير المؤمنين (ع)، لم يكن لفاطمة كفؤ على وجه الأرض آدم فمن دونه)(17).
وفي بعض الروايات تساويهما في الفضيلة(18) بعد الرسول (صلى الله عليه وآله).
وهما (عليهما السلام) في المعنويات قبل الإمامين الحسن والحسين ()، وبعدهما الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، وبعده الأئمة الثمانية (صلوات الله عليهم أجمعين).
هذه هي درجات الفضل حسب ما يستفاد من الروايات، والعلم عند الله.
وبعد أن تزوج أمير المؤمنين (ع) بكفوه فاطمة (ع)، كانت أمامة حفيدة الرسول (ص) زوجة له (ع)، وإن كان بينها وبين الإمام علي (ع) بون شاسع، فإنه (ع) أفضل الخلق بعد رسول الله (ص).
وبعدها جاءت فاطمة أم البنين (رض)، ولها من الفضل والرفعة المعنوية ما لا يسعنا علمه، وإن كانت دون المعصوم (ع)، وحتى دون من لهم العصمة الصغرى كالسيدة زينب والسيدة المعصومة والسيدة نرجس (رض).
ومسألة الكفؤ من أهم ما يلزم ملاحظته في الزواج، والمقصود به ما بينته الروايات مثل:
(إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوِّجوه)(19).
والرسول الأعظم (ص) حرّض كل رجل وامرأة بالزواج من الكفؤ الشرعي، باختيار كل واحد للآخر حسب الملاك المذكور: (ترضون خلقه ودينه).
وهذه القاعدة تجري في الطرفين: الزوج بالنسبة إلى الزوجة، والزوجة بالنسبة إلى الزوج.
فكانت أم البنين (رض) قد بلغت درجة من الفضل والكمال حيث رضي أمير المؤمنين (ع) بخلقها ودينها، فأقدم على الزواج منها.. أما العكس فهو أوضح من أن يذكر.
لا يقال: كيف يحرّض الرسول (ص) على ما تقدم وعلى البكارة، ثم لم يلتزم هو بما ذكره؟
لأنه يقال: كان عمل الرسول (ص) وفقاً لقاعدة (الأهم والمهم)، ومن المعلوم أن تلك القاعدة مقدمة على غيرها - على ما ذكروه في الأصول -.
وكانت أم البنين (رض) في غاية الأدب والأخلاق، فقد قالت لعلي أمير المؤمنين (ع)، لا تسمني فاطمة! لأن الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم (ع) يتذكرون أمهم ويتأثرون بذلك!
ولذا سمّاها (ع) بـ (أم البنين) - على ما هي العادة عند العرب من الكنية - لا باعتبار الانطباق الخارجي، بل باعتبار الانتخاب، والله رزقها أربعة أولاد (مثل بدور الدجى) فصاروا مفخرة البشرية إلى يوم القيامة.

أم البنين و الشعر:
كانت اُم البنين شاعرة فصيحة، تخرج بعد مقتل الحسين (ع) ومقتل أولادها الأربعة كلّ يوم إلى البقيع، ومعها عبيدالله ولد ولدها العباس، فتندب أولادها ـ خصوصاً العباس ـ أشجى ندبة، فيجتمع الناس فيسمعون بكاءها وندبتها، و كان مروان بن الحكم (لعنه الله) على شدّة عداوته لبني هاشم يجيء في مَن يجيء، فلا يزال يسمع ندبتها و يبكي!
من جملة رثائها:
يا مَن رأى العباسَ كَرَّ *** على جمـاهيرِ النَقد
و وراه مِن أبناءِ حيدر *** كـلّ لـيثٍ ذي لبـد
أُنبئتُ أنّ ابني اُصيبَب *** برأسـهِ مـقطوع يد
ويلي على شبلي آمالَ *** برأسه ضَـربُ العَمد
لو كان سيفُكَ في يدك *** لمـا دنـا منك أحـد
ومن مراثيها أيضاً:
لا تَدعـونِّي ويـكِ اُمَ البنين *** تُـذكّرينـي بليـوث العَــــرين
كانت بنـون لـي اُدعى بهم *** واليوم أصبحتُ ولا من بنين
أربعـةُ مـثل نسـور الرُبـى *** قد واصلوا الموت بقطع الوتين
تُنـازع الخرصـان* أشـلاءَ‌هم *** فكلُّهـم أمـسى صريعاً طعين
يـا ليت شعـري أ كما أخبروا *** بـأن عبّـاساً قطيـع اليميـن

موقفها البطولي الرائع:
لم تحضر أم البنين واقعة الطف، إلاّ أنّها واست أهل البيت (ع)، وضحَّت من أجل الدفاع عن الدين الإسلامي بتقديم أولادها الأبطال الأربعة فداءً للحسين (ع) ولأهدافه السامية.
ثم واصلت جهادها الإعلامي بعد مقتل سيد الشهداء ووصول أهل البيت (ع) إلى المدينة المنورة، فكانت تخرج كل يوم إلى مقبرة البقيع ومعها عبيدالله ولد ولدها العباس، فتندب أبناءها الأربعة أشجى ندبة، فيجتمع الناس إليها فيسمعون بكاءها وندبتها ويشاركوها العزاء، كما كانت تقيم مجالس العزاء في بيتها فتنوح وتبكي على الحسين (ع) وعلى أبنائها الشهداء الأربعة، ولم تزل حالتها هذه حتى التحقت بالرفيق الأعلى.

وفاتها:
تُوفيت هذه السيدة الجليلة في الثالث عشر مِن جمادى الآخرة سنة 64 هـجرية، في المدينة المنورة، ودُفنت بالجانب الغربي من جنة البقيع، حيث يتوافد الزائرون لزيارة مرقدها الطاهر.

ولائها للإمام الحسين (ع):
كانت أم البنين تحب الحسين (ع) وتتولاه إلى حدّ كبير يفوق المألوف، ومما يدلّ على ذلك موقفها البطولي لدى وصول خبر إستشهاد الإمام الحسين (ع) إلى المدينة، الموقف الذي لا ينمحي من ذاكرة التاريخ أبداً، هذا الموقف الذي رفع من شأنها و منحها منزلة رفيعة في قلوب المؤمنين.
يقول المامقاني في تنقيح المقال: ويستفاد قوّة إيمانها وتشيّعها من أنّ بشراً بعد وروده المدينة نعى إليها أحد أولادها الأربعة.
فقالت ما معناه: أخبرني عن أبي عبدالله الحسين (ع)!
فلمّا نعى إليها الأربعة! قالت: قطّعت نياط قلبي، أولادي ومَن تحت الخضراء كلّهم فداء لأبي عبدالله الحسين (ع)!
فإنّ عُلْقَتِها بالحسين ليس إلاّ لإمامته (ع)، وتهوينها على نفسها موت مثل هؤلاء الأشبال الأربعة إن سَلِمَ الحسين (ع) يكشف عن مرتبة في الديانة رفيعة، وإنّي اعتبرها لذلك من الحسان إن لم نعتبرها من الثقات.


الهوامش
------------------------------------
1 - سورة الحجرات: الآية 11.
2 - أوصت بنت الحارث ابنتها حين زفت إلى زوجها (يا بنية) احملي عني عشر خصال: تكن لك ذخراً وذكراً: الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، والتعهد لموقع عينه والتعقد لموضع أنفه فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح، والتعهد لوقت طعامه، والهدوء عنه عند منامه، والاحتفاظ ببيت ماله، والارعاء على نفسه وحشمة عياله، ولا تفشي له سراً، ولا تعصي له أمراً، ثم تقي الفرح أمامه إن كان ترحاً، والاكتئاب عنده إن كان فرحاً، وكون أشد ما تكونين له اعظاماً، يكن أشد ما يكون لك اكراماً، وأشد ما تكونين له موافقة، يكن أطول ما يكون لك مرافقة (راجع جريدة العربي عدد 928/2 ربيع الثاني 1380 هـ).
3 - عمدة الطالب للسيد الداودي: ص 324.
4 - أسرار الشهادة: ص 334.
5 - ثمرات الأعواد، للسيد الهاشمي: ج 1 ص 104.
6 - بطل العلقمي: ص 101 ج1.
7 - سورة آل عمران: الآية 159.
8 - سورة النجم: الآية 4.
9 - قال الشيخ عبد العظيم الربيعي في ديوانه من قصيدة يرثي بها العباس بن علي (عليهما السلام):
بـــــدا بـــــأوج العــــلى بـــدراً وأخوته *** مـــــن أمــــــه وأبـــــيه أنـــجم الأفــق
وقال في الهامش: فيه تلويح إلى الرؤيا التي رأتها أم البنين قبل تزويجها بأمير المؤمنين: والقصة مشهورة.
10 - سورة آل عمران: الآية 19.
11 - سورة آل عمران: الآية 85.
12 - سورة الحجرات: الآية 13.
13 - سورة الروم: الآية 21.
14 - سورة الشورى: الآية 11.
15 - العباس، للمقرم: ص 72.
16 - بحار الأنوار: ج 10 ص 55.
17 - سفينة البحار: ج 2 ص 484 مادة(كفأ)، بحار الأنوار: ج 43 ص 107، التهذيب: ج 7 ص 470 ب 41 ح 90، عوالم العلوم، مجلد فاطمة الزهراء (عليها السلام) ص 52.
18 - راجع كتاب (من فقه الزهراء) ج1 ص 27 و 284، معالم الزلفى (للسيد الحبراني).
19 - غوالي اللئالي: ج 2 ص 274 ح 37.
[*] الخرص من الرماح: رمح قصير يتخذ من خشب منحوت، وقد يقال لدقاق القناة وقصارها: خرصان‏، انظر: العين: 4/184، للخليل بن أحمد الفراهيدي البصري، المولود سنة : 100 هجرية بالبصرة، الطبعة الثانية، سنة 1410 هجرية، دار الهجرة، قم/إيران.

المصادر:
ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
مركز الإشعاع الإسلامي
[url=http://shiavoice.com/play-28673.html]أم البنين - باسم الكربلائي[/url]

05‏/06‏/2009

موقعية شخصية النبي (ص) في القرآن الكريم

هل كانت شخصية النبي (ص) شخصية عادية؟
أم هي الشخصية التي لا تقارن؟


مدخلية العظماء في تاريخ وواقع ومستقبل الأمم
إن القراءة المتبصرة في تاريخ الحضارات والأمم، ومعرفة عوامل ازدهارها وتطورها، تبين وبوضوح جوهرية دور العظماء من المفكرين والمبدعين في مجالات التأثير الإنساني، في صياغة تاريخ هذه الأمة، وتكوينها النفسي، ومبادئها ومنظومتها الأخلاقية والاجتماعية، ومقوماتها الفكرية والثقافية.
ومن هنا تناول المؤرخون دراسة سيرة الشخصيات والمجتمعات، بحسب تأثير كل وواحد منهما على الآخر، فبرزت المدرسة التحليلية القائمة على أساس جوهرية دور وتأثير الشخصيات على المسار التاريخي والوجودي لهذه المجتمعات سلباً وإيجاباً، وتؤمن هذه المدرسة بأن شخصية الفرد يجب أن تعنى بدراسة أكثر وأعمق، لأنه من الممكن أن يكون لهذا الفرد أو ذاك تأثير عميق في تاريخ هذه الأمة إيجاباً كشخصية غاندي أو نابليون أو زنوبيا، أو سلباً كالحجاج ويزيد وهتلر، ومن أبرز من تبنى هذه النظرية في التحليل النفسي في الدراسات التاريخية كان الكاتب الأستاذ عباس محمود العقاد في سلسلة العبقريات المعروفة.
بينما تبنى تيار آخر الدور الحتمي للبيئة الاجتماعية في صناعة شخصية الإنسان، وأن الإنسان في نهاية الأمر هو نتاج تراكمات معرفية وصلت إليه عبر العصور، وإرث أخلاقي وسلوكي تتناقله الأجيال، بشكل قسري، وهو ما يفسر عند قراءة التاريخ لماذا تميّزت بعض المجتمعات أو الشخصيات بقواسم محددة ومشتركة، وهذه النظرية في مجملها تبرر لنظريات الجبرية التاريخية والاجتماعية والحضارية مثل صراع الحضارات أو النظرية العنصرية، لأنها تأخذ على نحو الحتمية والمسلمة: التأثير القسري للبيئة الاجتماعية في تكوين ثقافة وسلوك أفراد هذه المجتمعات، وأن الشخصيات التي برزت أو تبرز منه، ما هي إلا خلاصة وعصارة هذه البيئة وتراكماتها الثقافية والاجتماعية.
ومن هنا كان لزاماً علينا أن نتعرف على شخصية الرسول الأعظم (ص) بشكل دقيق لكونه أعظم شخصية مؤثرة في تاريخ البشرية، ماضيها وحاضرها، بل ومستقبلها، وأفضل طريق لكي نتعرف على هذه الشخصية العظيمة هي أن نتلمس ملامحها ونتعرف على موقعيتها من خلال القرآن الكريم.


لوازم الشخصية التاريخية المؤثرة
وكي نتطرق لدراسة شخصية النبي (ص) وموقعيتها في القرآن، لابد أن ندرك حقيقة أن القرآن عندما يطرح شخصية ما، فإنما يرسم ملامحها ويبين دورها وتأثيرها، وموقعها في بيان اللوحة النهائية للتفاعل الحضاري والصراع الأزلي بين الحق والباطل،.
ولذلك فإن أي شخصية تطرح في القرآن الكريم، فيما يتعلق بالنماذج الإيجابية والقدوات البشرية كانت يجب أن تتحلى بصفتين:

أ/ تميّز الشخصية
فلا بد أن يكون لهذه الشخصية من التميز، ما يبين وبوضوح، موقعيتها وأهميتها لدى المتلقي للنص القرآني، ومن خلال حيثيات الواقع المباشر، والذي خلّده القرآن بنصوصه، بل لا بد وأن يكون الأجلى بياناً ومظهراً في الخارج، بما لا يدع مجالاً للشك والريب، لفطرة الإنسان المجبولة على الخضوع والانقياد للأفضل والأحسن دون غيره تحديداً.
إذ أن نزعة الغرور الشيطانية لن تسمح للإنسان أن يتعامل من موقع الانقياد والطاعة والاقتداء بمن هو أقل منه شأناً في هذا المجال أو ذاك، ويدل على ذلك وبوضوح مفاد الآية الشريفة: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً} 94:سورة الإسراء!
ولذلك عندما يذكر القرآن الكريم ميزة شخصية من ميزات الرسول الأعظم (ص)، فإنها توصف على نحو التعظيم والإجلال كما في قوله عز وجل: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} 4:سورة القلم

ب/ القابلية للإقتداء
ولأن الهدف الأسمى من بيان وذكر هذه الشخصيات في القرآن هو تفعيل تأثيرها في المجتمع، وتأصيل حضورها كقيم ومفردات سلوك وأطر وعي حضاري، فلا بد أن تتوفر في هذه الشخصيات نقطة تراعي بشرية الإنسان، بحيث يكون مجال الاقتداء متحققاً بكون أن هذه الشخصية إنما هي شخصية بشرية، تكاملت في طريق العبودية الحقة لله تعالى، وحظيت بالعناية الإلهية الخاصة، لتحقق وظيفة الإرشاد والتوجيه، فكان لزاماً أن يكون هذا الرسول: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} 9:سورة الأنعام، لأن المقصود من ذكر هذه الشخصيات هو كونها قابلة للاقتداء، وليست شخصيات تفتقد خيار الإرادة في التغيير أو الالتزام، كما هو حاصل في صنف الملائكة، وتتحلى بقدرات خارقة يكون حاجز افتقادها لدى البشر عذراً أمام مسؤولية الاختيار والالتزام.


أهمية القراءة المتوازنة
من أهم وأبرز العوائق التي قد تواجهنا لدى دراسة أي شخصية من الشخصيات، هو الالتزام بالموضوعية والاتزان، لأن الطبيعة البشرية تعاني من حيث تركيبتها العاطفية المتقلبة وفق الأهواء والرغبات، وقدراتها العقلية المحدودة المتأثرة بنقص المعلومة أو تنميطها وفق قياسات أو صور مسبقة، أو المنمذجة وفق قناعات محددة، قياساً إلى النص الرباني المحكم، والصادر من العدل البصير الخبير، الذي يحدد وبدقة ماهية هذه الشخصية أو تلك، ومزاياها وموقعيتها، وفق ملاكات تسمو على الحقبة التاريخية أو البيئة الاجتماعية أو التركيبة الثقافية، لأن النص القرآني يلاحظ خلود الفكرة وسمو الهدف واشتراك المباديء العامة التي من أجلها خلق الإنسان، ولتحقيقها يعيش، وبوصوله لها يحقق الغاية والهدف المنشود.
ولأننا في مورد دراسة شخصية النبي (ص) وامتداده الوظيفي والقيمي والوجودي وهم العترة الطاهرة (ع)، تتبعنا نصوص الزيارات الواردة في زيارة النبي وآله عليهم السلام، كمرشد ومؤشر يساعدنا في فهم هذه الشخصية ومعرفة أهم محدداتها، فكانت الدعوة واضحة في الحث على الاتزان والانضباط في قراءة شخصياتهم ووضعها في إطارها السليم، فلا تعدٍ عليهم وعلى مقامهم الشامخ واستباق مكانتهم بشخصيات مصطنعة أو مباديء موهومة مبتكرة: (السابق لهم مارق والمتأخر عنهم زاهق)، ومع التأكيد على موقعية العترة الهادية في مكانة التأثير والفعل في حياة الأمة: (ولعن الله أمة أزالتكم عن مراتبكم التي رتبكم الله فيها)، ومع التأكيد بأن إظهار حقيقة المقام الشامخ لهذه الشخصيات مؤطر بحقيقة العبودية (نزهونا عن الربوبية وقولوا فينا ما شئتم)، وأن عظمة النبي محمد (ص) تكمن في حقيقة عبوديته لله {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} يونس:49، وعدم سحب الخصائص الإلهية الواردة بالنص وحكم العقل للعترة الهادية على من هو خارجها، سواء دخل في دائرة الولاية لأهل البيت عليهم السلام أو كان خارجها.


إشكالية الفهم القشري لموقعية شخصية النبي (ص) في القرآن
ويواجهنا ضمن ما يواجهنا في بحث مكانة شخصية الرسول الأعظم (ص) وموقعيتها في القرآن الكريم، إشكالية الفهم القشري والسطحي للآية الكريمة: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران:144)، ونحن هنا أمام قراءات متعددة:

القراءة القشرية والسطحية
وهي تنص على أن قيمة ومكانة شخصية النبي (ص) محصورة بحياته، محدودة بزمانه، ولا ترى له فضلاً أو تميزاً، وأنه بعد موته لا ينفع ولا يضر، وقد تكون عصا جامدة هي أفضل منه وأنفع!

القراءة المعاندة والمستكبرة والمضادة
وهي قراءة قد تنكر رسالة النبي (ص) أو بعض لوازمها الذاتية الوجودية، فقد تجد الجرأة والمبرر لتناقش الرسول (ص) في عصمته وتبليغه عن الله: (أهو منك أم من الله)! أو تراه إنساناً عادياً، يخطيء ويصيب في أمور الدنيا! بل قد تراه يخطيء أحياناً حتى في بعض أمور الدين ومصاديق التبليغ، وذلك عندما يوافق الوحي الإلهي هوى بعض الأصحاب، ويخالف رغبة النبي (ص)!

القراءة الواعية
وهي قراءة تؤكد على أن الرسالة متقومة بثوابتها، وأن الرسل كسلوك وفكر وشخصية من أهم ثوابتها، ومداخل فهمها وتطبيقها، وتؤكد أيضاً على تماهي شخصية النبي (ص) بموضوع الرسالة وحقائقها، باعتباره اتحاد الدور والوظيفة واشتراك الهدف والمعنى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) سورة النجم، وأن الرسول حي بحياة رسالته، وليست الرسالة حية بحياة الرسول، وهذا يفيد امتداد التأثير حتى بعد الموت، ورحم الله الشاعر الكبير الشيخ الوائلي عندما أوضح هذا المعنى الرائع بقوله:
قد يموت الرسول جسماً .... ولكن بالرسالات لن يموت الرسول
كما أن نفي خصائص النبي (ص) وميزاته، وفق القراءة السطحية والقشرية، تعارضها النصوص القرآنية المشيرة إلى ميزات النبي (ص) وخصائصه، سلوكاً وفكرا وشخصاُ، حياً وميتاً!
بل أن دائرة تميز الرسول (ص) اتسعت لتشمل وتنعكس ضمن مرآة التأثير وقيمة المحتوى على كل من يمتّ إليه بعلاقة أو صلة، مع ملاحظة وجود استحقاقات ومحددات لتحقق التميز وتجسده خارجاً في هذه الشرائح، ما عدا تميّز العترة الطاهرة التي ميّزت بدون هذه القيود، كونها امتداداً للرسول وتجلياً لحقيقته.
فقد ميّز الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم على سبيل المثال لا الحصر:

أمة النبي:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} البقرة:143
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} آل عمران:110

أصحاب النبي المنتجبين:

{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} الفتح:29
{لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} التوبة:117

نساء النبي:

{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً} الأحزاب:32
{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً} الأحزاب:6
{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً} الأحزاب:30

قرابة النبي:
{ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} الشورى:23
{فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} آل عمران:61


مميزات وموقعية شخصية الرسول الأعظم (ص) في القرآن
وهنا نورد - على نحو الشاهد والاختصار لا على نحو الإحاطة والاستقصاء - بعض النصوص القرآنية الدالة على ميزات شخصية النبي (ص):

شمولية الدور الرسالي واختصاصه بالنبي (ص):
{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} الأحزاب:40
{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} الأعراف:157
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} الأحزاب:45

الوعد الإلهي الخاص والعام بالنصر المؤزر:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ} الأنفال:65

انحصار إرث الرسل والرسالات بالنبي (ص) وعترته (ع):
{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} آل عمران:68

نبل الأخلاق والصفات الشخصية:
{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم:4
{وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} التوبة:61
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} التحريم:1

الأحكام المختصة بنساء النبي:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} الأحزاب:50
{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً} الأحزاب:53

الإطلاع على الأسرار والخفايا:
{وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} التحريم:3

الصلاة على النبي وآله (ع):
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} الأحزاب:56

اختصاص الرسول بالمرجعية النهائية للأمة:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} النساء:59
{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} النساء:65

انحصار الاستنباط الصحيح به (ص) وبعترته (ع):
{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً} النساء:83

علامة النفاق التعامل المصلحي مع الرسول:
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} المائدة:41

علامة النفاق الصدود عن النبي (ص) ونهجه:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً} النساء:61

صلاة الرسول قربة للمؤمنين:
{وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} التوبة:99

اقتران طاعة الله بطاعة الرسول واتحاده حقيقة ومظهراً:
{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} النساء:80
{وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} النور:56
{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} المائدة:92

انحصار الأخذ بأثر الرسول (ص):
ومعنى الأخذ انحصاري هنا، لا يتسع في المفهوم أو المصداق، وهذا يبين الخلط الحاصل في مثل الأخذ بمثل سيرة الصحابة في مقابل نص المعصوم: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الحشر: من الآية7

لازمة طاعة النبي (ص) التبريء من أعداء الله قلباً وقالباً:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} الممتحنة:1

التبليغ بالولاية الاختبار الأعظم:
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} المائدة:67

مشاقة الرسول وبطلان العمل:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} محمد:33
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} محمد:32

الأدب الخاص في التعامل مع الرسول (ص):
{لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} النور:63
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} الحجرات:2
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً} الأحزاب:53
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} المجادلة:12
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} النور:62

استغفار الرسول (ص) قرين الاستغفار من الله:
{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً} النساء:64

اختصاص الفيء بالرسول (ص):
{مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الحشر:7

سر الرحمة الإلهية:
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} آل عمران:159

بشرية الرسول سر الإعجاز الإلهي:
{وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} الفرقان:7

وختاماً أؤكد على أني بهذا الاستقصاء البسيط حول مفردة الرسول (ص) في القرآن الكريم، حاولت أن لا أسهب في تحليل هذه المميزات والخصائص والموقعية، مكتفياً بالعنونة البسيطة لمفاداتها، تاركاً مهمة التعمق والتدبر في مضامينها ودلالاتها للقاريء الكريم، ليشارك معي في استنباط هذه الخصائص دون أن أحدد أفقاً يحد من سعة إعمال الفكر في التحليق بهذه القيم السامية، التي تحتاج إلى كل ميزة منها إلى بحث مستقل، وموازٍ لهذا البحث في الحجم، وهو قليل بحيث لا يكاد يذكر، أمام تجليات هذه الشخصية الإلهية العظيمة، التي تمثل بحق جوهر الإسلام وروحه الوضاءة.

شخصية الإمام علي (ع) بين الذاتية والموضوعية

بمناسبة مولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ألقيت محاضرة بعنوان "شخصية الإمام علي (ع) بين الذاتية والموضوعية"، وهذا تلخيص واستعراض لأهم وأبرز نقاطها.

استهلّت الكلمة في ذكرى مولد أمير المؤمنين (ع)، بالتركيز على أفعال التفضيل التي وردت في إحدى الروايات المأثورة، والتي يخاطب فيها الزائر شخص الإمام بقوله: "رحمك الله يا أبا الحسن! كنت أوّل القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدّهم يقيناً، وأخوفهم لله، وأعظمهم عناء، وأحوطهم على رسول الله، وآمنهم على أصحابه، وأفضلهم مناقب، وأكرمهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم من رسول الله، وأشبههم به هدياً وخلقاً وسمتاً وفعلاً، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله وعن المسلمين خيراً. قويت حين ضعف أصحابه، وبرزت حين استكانوا، ونهضت حين وهنوا، ولزمت منهاج رسول الله إذ همّ أصحابه، وكنت خليفته حقّاً، لم تنازع ولم تضرع برغم المنافقين، وغيظ الكافرين، وكره الحاسدين، وصِغْرِ الفاسقين. فقمتَ بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا، ومضيت بنور الله إذ وقفوا، فاتّبعوك فهُدوا، وكنت أخفضهم صوتاً، وأعلاهم قنوتاً، وأقلّهم كلاماً، وأصوبهم نطقاً، وأكبرهم رأياً، وأشجعهم قلباً، وأشدّهم يقيناً، وأحسنهم عملاً، وأعرفهم بالاُمور. كنت والله يعسوباً للدين، أوّلاً وآخراً: الأوّل حين تفرّق الناس، والآخر حين فشلوا... إلى آخر الزيارة".


المدخل
كان المدخل للموضوع هو الاستغراب من كون الإشارة للعظماء عادة ما يكون بلسان غيرهم، باعتبار أن الإشارة من الإنسان إلى نفسه يعتبر أمراً غير مرغوب فيه!
ومع ذلك: نلاقي كل هذا الكم الهائل من الإشارة للذات في كلام أمير المؤمنين، فما هي الغاية أو الهدف؟
فهل مجرد مظلوميته مسوغة لذلك؟
ومتى تكون الإشارة للذات تزكية للنفس؟ ومتى تكون إظهاراً للحق؟
وهل للإشارة للذات مدخلية واقعية للوصول إلى الحقيقة وموضوعها؟
ومتى تتمازج الذات مع الحق فتكون الإشارة للذات إشارة للحق؟
وما هو موقفنا من معرفة الرجال بالحق، وليس معرفة الحق بالرجال؟
ولماذا لا نشير للحق في الرجال بدلاً من الإشارة للرجال في الحق؟

وهنا لا بد أن نقف ونتساءل:
ما هو الحد المائز بين الذاتية والموضوعية في شخصية الإمام علي؟
وهل هناك حقيقة وحدة بينهما؟
فلنستعرض نماذج من إشارته الى ذاته كقوله:
"معاشر الناس، (أنا) أخو رسول الله ووصيّه ووارث علمه، خصّني وحباني بوصيّته، واختارني من بينهم!"
"(أنا) صنوه، ووصيّه ووليّه!"
"(أنا) وصيّ خير الأنبياء"
"(أنا) إمام البريّة"
"(أنا) يعسوب المؤمنين"
"(أنا) عبدالله، وأخو رسوله، لا يقولها أحد قبلي ولا بعدي إلاّ كذب"
"(سلوني) عن أسرار الغيوب; فإنّي وارث علوم الأنبياء".


مسوغات الإشارة للذات عند أمير المؤمنين (ع)

1- ذوبان واندكاك علي (ع) في الحق
س: هل نحتاج للحق في حياتنا؟
ج: نعم، فوجهات النظر والرؤى مختلفة، والكل ينشد الحق ويسعى له ويدعيه!
ولذلك كان الحق هو الهدف والوسيلة دائماً وأبداً، وأبرز موارد الحاجة للحق هو في الحكومة حين الاختلاف (فلا و ربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)!
والسؤال هنا: لماذا لم يقل القرآن (حتى يحكموا الحق فيما شجر بينهم)؟
فيتبين لنا هنا أن للحق موضوع خارجي هو انعكاس ومرآة لذاته، وهم محمد (ص) وعترته (ع)، بل أن الحق متأخر رتبة عنهم، بحيث يكون هو تابعاً لهم ونابعاً منهم، ويستمد حقانيته من ذواتهم "الحق مع علي، وعلي مع الحق، أدره معه حيثما دار".
فالحق يتبع علي، وليس علي من يتبع الحق، لأنه حقٌ محض، لا ينفك الحق أن يكون منه وله، وقد عرفنا هنا أن للحق موضوعاً خارجياً يبرز ذاته المكونة من تعاليم السماء، وهو مظهرها وتجليها الحقيقي في عالم الوجود والمادة، فضلاً عن عالم الفكر والمثل.

2- علي (ع) مظهر الحق وجوهره
الحق يحتاج إلى علائم ودلائل تميزه عن موارد الشبهات والهلكات، وعلي هو العلامة المسجلة والفارقة له، ومكنون كل قيمة أو معنى سامٍ في الوجود، وهو مجمع الفضائل.
وقد جاء في كتاب (تاريخ دمشق)، عن ابن عبّاس: ستكون فتنة، فمن أدركها منكم فعليه بخصلتين: كتاب الله، وعليّ بن أبي طالب! فإنّي سمعت رسول الله يقول ـ وهو آخذ بيد عليّ ـ: "هذا أوّل من آمن بي، وأوّل من يصافحني، وهو فاروق هذه الاُمّة، يفرق بين الحقّ والباطل، وهو يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظلمة، وهو الصدّيق الأكبر، وهو بابي الذي اُوتي منه، وهو خليفتي من بعدي".

3- ضرورة وجود معيار فعلي ومرجع واقعي للحق في الحياة
عند اختلاط الصورة وتحاكم المعاني، لا بد من وجود معايير محكمة وجلية له!
وعلي (ع) هو المعيار التام لهذا الحق، فلا يعرف الحق إلا بعلي (ع)، فمن كان مع علي (ع)، كان الحق معه.

4- العصمة والكمال من لوازم الإمامة
أ- النظرة الإسلامية للتغيير
فالإسلام يعتقد أن تغيير الذات هو مقدمة وأساس التغيير الناجح {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.
ومن هنا كان ضرورياً أن يكون القائد أولاً نموذجاً للكمال والحق في نفسه، حتى يستحق أن يكون قدوة وعلامة على الحق.
ب- المصداقية الشخصية
ومن هنا كانت حياة علي (ع) نموذج واقعي بشري لتجسد الحق في السلوك والفعل، وفي الفكر والروح، وهذا ما دعى لإن يكون علياً (ع) في دائرة أوسع من الدائرة الإسلامية، وبما يحتوي الدائرة الإنسانية بما جبلت عليه من عشق للقيم، وعشق أي شخصية تعكسها وتطبقها.
هذا ما جعل أشخاص مثل "سليمان كتاني" في (علي (ع) نبراس ومتراس)، و "جورج جرداق" في (موسوعة الإمام علي (ع) صوت العدالة الإنسانية)، وآخرون كثر من ديانات ومذاهب شتى يترجمون حياة الإمام علي (ع)، وبحيث يجعل "بولس سلامة" الإنصاف قرين التشيع: "إن في كل قلب كل منصف شيعياً".
ج- طرح وعرض النظرة الإسلامية للقيادة
وهي أن المكان بالمكين، والذي يشتمل على الخصائص والمؤهلات اللازمة لذلك، من قول أو فعل، ولذلك كانت الإمامة تتطلب المبادرة والتفاضل، فكان علي دائماً هو الأول والأفضل: "أقضاكم علي"، "أفقهكم علي"، فعلي (ع) هو الأول في كل مجال دخل فيه (راجع أفعال التفضيل في الزيارة السابقة أعلاه).
د - أهمية تنجز وتحقق النموذج البشري الكامل
فلا بد للإنسانية من وجود نموذج بشري كامل، يحقق القيم الإلهية المنشودة، ولكي يكون ذلك حقيقة واقعة، اصطفى الله من خلقه الأنبياء والأوصياء (ع)، ليكون سلوكهم وقولهم، وبالأحرى ذواتهم، علامة على الحق ودليل عليه، وعلي (ع) هو التجسد الكامل للكمال في الشخصية البشرية، والهدف المنشود للمحاكاة للوصول للقمة:
- عن علي (ع): "وإنّما هي نفسي أرُوضها بالتقوي لتأتي آمنةً يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق. ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل، ولُباب هذا القمح، ونسائج هذا القزّ، ولكن هيهات أن يغلبَني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشِّبَع، أ وَأبيتَ مبطاناً وحولي بُطونٌ غرثى وأكبادٌ حرّى، أو أكون كما قال القائل:
وحسبك داءً أن تبيت ببطنة *** وحولك أكبادٌ تحِنُّ إلى القدِّ
أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين، ولا اُشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون اُسوةً لهم في جشوبة العيش! فما خُلقتُ ليشغلني أكل الطيّبات، كالبهيمة المربوطة، همّها علفها، أو المرسلة شغلها تقمّمها".
- عن علي (ع): "ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً، يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفي من دنياه بطِمْريه، ومن طُعمه بقرصيه، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفّة وسداد".
5- عدم إنكار المعاصرين لعلي في الإشارة لذاته، دليل الموضوعية وأهمية الإشارة إليها
فلم يكن هناك من ينكر على علي (ع) حقيقة أفضليته وجدارته بالإمامة على مستوى الدعوى والاستدلال!
وفي نفس الوقت كان أمير المؤمنين مستبعداً عنها من ناحية عملية لدوافع لا تتعلق بالاستحقاق الموضوعي لها، ولا في المصداق العملي لها من خلال شخصيته ومعطياتها، بل لدوافع وعوامل خارجية مفروضة قهراً وظلماً!
فكان من الضروري إبلاغ الحجة وبيان العلائم الهادية ونصبها لائحة للأمة، وهذا ما فعله علي عندما أشار إلى نفسه.
6- التكامل الوظيفي بين النبوة والإمامة والعترة والكتاب يفرض الإشارة إلى الإمام
من حيث كون الإمامة استمرار وامتداد لهدي النبوة، ووصاية على قيمها ومسيرتها، وكما أن القرآن كان يشير إلى أهمية النبوة وجذريتها وموقعيتها عقيدة وفكراً، وكان يكرر الإشارة إلى شخصية النبي والرسل، وحيث أن العترة عدل الكتاب، ولسانه الناطق، كان من المهم الإشارة إلى الوصي وموقعيته عقيدة وفكراً، ولذلك أصبحت الإمامة ومصاديقها من أهم مواضيع العقيدة والفكر الإسلامي.
- عن رسول الله (ص): "القرآن إمامٌ هاد، وله قائد يهدي به ويدعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وهو عليّ بن أبي طالب، وهو وليّ الأمر بعدي، ووارث علمي وحكمتي، وسرّي وعلانيتي، وما ورثه النبيّون قبلي، وأنا وارث ومورّث، فلا تُكذِبنّكم أنفسُكم".
- عن رسول الله (ص): "{إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}; المنذر أنا، والهادي عليّ بن أبي طالب".
- عن علي (ع): "إنّ الله تبارك وتعالي خصّني بما خصّ به أولياءه وأهل طاعته، وجعلني وارث محمّد، فمن ساءه ساءه، ومن سرّه سرّه".
7- تأكيد استمرارية الهدي النبوي يفرض الإشارة إلى الإمام
فالتأكيد المستمر من النبي على وجود كثير من خصائصه في أمير المؤمنين إلى درجة الانطباق التام، ووصيته للأمة في أتباع الأكمل في اقتدائه وشخصيته وهو علي (ع)، فرض على الإمام (ع) أن يؤكد هذا المعنى للأمة ويذكرها به في مواجهة التعتيم التام والتزوير والتزييف المستمر لوجدان الأمة وعقلها:
- عن علي (ع): "ولقد كنت أتَّبعه اتّباع الفصيل أثر اُمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه عَلَماً، ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحِراءَ، فأراه ولا يراه غيري، ولم يَجْمَع بيتٌ واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما; أري نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوّة. ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه، فقلت: يا رسول الله! ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيِس من عبادته. (إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى)، إلاّ أنّك لست بنبيّ، ولكنّك لوزير، وإنّك لعلي خير".
- سأل عبدالرحمن بن خالد قثمَ بن العبّاس: من أين ورث عليٌّ رسولَ الله؟ قال: إنّه كان أوّلنا به لحوقاً، وأشدّنا به لزوقاً.
كما يلاحظ في هذه الروايات اقتران ضمير المتكلم - وهو النبي هنا - بعلي ، وارتباط النبوة بالإمامة وتكاملهما:
- عن رسول الله (ص): "(كنت) أنا وعليّ نوراً بين يدي الله عزّ وجلّ، يسبّح الله ذلك النور ويقدّسه قبل أن يخلق آدم بألف عام، فلمّا خلق الله آدم ركّب ذلك النور في صُلبه، (فلم يزَل في شيء واحد حتي افترقنا في صُلب عبد المطّلب، ففيَّ النبوّة، وفي عليّ الخلافة)".
- عن رسول الله (ص): "من (كنت) مولاه فعليّ مولاه ، اللهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه".
- عن رسول الله (ص): "هذا وليّ من (أنا) مولاه ، اللهمّ والِ من والاه ، اللهمّ عادِ من عاداه".
- عن رسول الله (ص): "(أنا) مدينة العلم، وعليّ بابها".


معنى التشيع الصادق
وبعد استعراض تلك المحاور وشرح معطياتها, كان التساؤل عن موقعية محبي أمير المؤمنين (ع) منه ومن نهجه النير المشرق؟
وماهية ومعنى "التشيع الصادق"؟
وكان الجواب على هذا التساؤل:
بأن ذلك يتحقق من خلال أمور هي:
1/ الورع
وهذا يعني تجنب مواطن النهي في الشريعة الإسلامية، وما أشار إليه القرآن والعترة، وهذا يتطلب العلم التام بها، وهو ما لا يكون دون الاتباع التام لهدي القرآن والعترة.
واللازمة الأساسية في كل وصية من أمير المؤمنين لشيعته هي تقوى الله، ويمكن مراجعة خطبه وملاحظة استهلالاته في خطبه بالدعوة إلى التقوى.
2/ الاجتهاد
فنحن مطالبون باستمرارية السعي وبذل الجهد، وتحسين الأداء، أفراداً وجماعات، وأن لا يداخلنا اليأس من الصلاح أو الإصلاح.
والاجتهاد هنا بالمعنى الأعم في عمارة الدنيا والآخرة:
- "من طلب الدنيا حلالا; تعطّفاً على والد أو ولد أو زوجة، بعثه الله تعالى ووجهه على صورة القمر ليلة البدر".
- "اُوصيكم بالخشية من الله في السرّ والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والاكتساب في الفقر والغنى".
- "إنّ طلب المعاش من حلّه لا يشغل عن عمل الآخرة".
3/ العفة
وهي مرحلة من أرقى مراحل السلوك، تتوخى المثالية في السلوك، واجتناب موارد الشبهة فيه، فضلاً عن اقتحام موارد الهلكة، وهو ما يعني ضرورة السعي والنظر للأفضل دائماً، وعدم الاستقرار على مستوى واحد.
4/ السداد
وهذا يتطلب المقاربة مع الأصول المرعية واللازمة، والرجوع المستمر لنبع الإمامة الصافي واستقاء التعاليم منه، ومراجعة الأداء وتقويمه، وملاحظة مدى انطباقه مع هدي القرآن والعترة، ودراسة الأسباب التي تمكن من الوصول للحقيقة بشكل صحيح وسليم.
الالتزام
فليس التشيع مناسبات وقتية أو تطبيقات مزاجية، بل حالة وميزة أصيلة في السلوك والفعل، وملكة فعالة مسيطرة على الجوانح والجوارح، تستمد رقيها من التزامها بالدين وتطبيقها له، وفق أصول المذهب وتعاليمه، وهذا أمر صعب مستصعب!
لذلك كان الإمام يشتكي من قلة ناصريه كماً ونوعاً، فودّ أن يصرف معاوية أتباع علي (ع) بأتباعه ديناراً بدرهم، فيعطيه الإمام عشرة ويعطيه واحداً، لالتزامهم بباطلهم، وتخلي اتباعه عن حقهم!
5/ الوحدة
فالوحدة من أهم معطيات الإمامة وبواعثها: "وجعل إمامتنا أماناً من الفرقة..." من خطبة الزهراء (ع).
كما أن الفرقة من أهم أسباب الفشل الحضاري على مستوى الأمة والفرد، ولذلك ذم الإمام تفرق شيعته وأنصاره كثيراً، فليس ذات الحق متعدداً مع وجود الإمام أو وجود النص القطعي دلالة وسنداً، حتى نحتمل قراءة وموقف معذّر لهم!
بالتالي يجب علينا أن نوسع القراءة والتعامل مع المشتركات على صعيد الطائفة، وكذلك الأمة، ومصلحة الإسلام في ظل الحرب المعلنة والمستمرة عليه لا تتحمل الفرقة والاختلاف، بل تدعو إلى الوحدة والتقارب ما أمكن، وهذا ما يدعو إليه كل ذي عقل منصف.
- "أما والذي نفسي بيده، ليظهرنّ هؤلاء القوم عليكم; ليس لأنّهم أولى بالحقّ منكم، ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم، وإبطائكم عن حقّي".
- "هذا ما أوصي به عليّ بن أبي طالب ، أوصي أنّه يشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله... واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا، فإنّي سمعت رسول الله يقول: "صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام"، وأنّ المُبيرة الحالقة للدين فساد ذات البَيْن، ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهوّن الله عليكم الحساب".


واجبنا تجاه الإمام في ذكرى ولادته
إن فقدان هذه الأمور، لا يعني انتفاء ماهو واجب على المكلفين تجاه الإمام، ويتجسد ذلك في:
1- حسن القراءة لشخصيته وتعاليمه.
2- الاقتداء الصادق به.
3- التعريف بموقعيته في العقيدة وحياة الأمة.
4- طاعة القيادة الشرعية للأمة: وهي العترة الطاهرة، ومن بعدهم للعلماء المؤتمنون على حرامهم وحلالهم.